الشنقيطي
417
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يقسم خمسون رجلا منكم . قالوا : ويفهم منه أن غير الرجال لا يقسم . واحتج الشافعي ومن وافقه بقوله صلى اللّه عليه وسلم « تحلفون خمسين يمينا فتستحقون دم صاحبكم » فجعل الحالف هو المستحق للدية والقصاص . ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئا - فدل على أن المراد حلف من يستحق الدية . وأجاب الشافعية عن حجة الأولين بما قاله النووي في شرح مسلم ؛ فإنه قال في شرحه لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « يقسم خمسون منكم على رجل منهم » ما نصه : هذا مما يجب تأويله ؛ لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصة لا على غيره من القبيلة . وتأويله عند أصحابنا : أن معناه يؤخذ منكم خمسون يمينا والحالف هم الورثة ، فلا يحلف أحد من الأقارب غير الورثة ، يحلف كل الورثة ذكورا كانوا أو إناثا ، سواء كان القتل عمدا أو خطأ - هذا مذهب الشافعي ، وبه قال أبو ثور وابن المنذر . ووافقنا مالك فيما إذا كان القتل خطأ ، وأما في العمد فقال : يحلف الأقارب خمسين يمينا ؛ ولا تحلف النساء ولا الصبيان . ووافقه ربيعة والليث ، والأوزاعي وأحمد وداود وأهل الظاهر - انتهى الغرض من كلام النووي رحمه اللّه . ومعلوم أنّ هذا التأويل الذي أولوا به الحديث بعيد من ظاهر اللفظ ، ولا سيما على الرواية التي تصرح بتمييز الخمسين بالرجل عند أبي داود وغيره . الفرع الثاني - قد علمت أن المبدأ بأيمان القسامة أولياء الدم على التحقيق كما تقدم إيضاحه . فإن حلفوا استحقوا القود أو الدية على الخلاف المتقدم . وإن نكلوا ردت الأيمان على المدعى عليهم ؛ فإن حلفوها برئوا عند الجمهور ، وهو الظاهر لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم » أي يبرؤون منكم بذلك . وهذا قول مالك والشافعي ، والرواية المشهورة عن أحمد ، وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وأبو الزناد والليث وأبو ثور ، كما نقله عنهم صاحب المغني . وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنهم إن حلفوا لزم أهل المحلة التي وجد بها القتيل أن يغرموا الدية . وذكر نحوه أبو الخطاب . رواية عن أحمد . وقد قدمنا أن عمر ألزمهم الدية بعد أن حلفوا . ومعلوم أن المبدأ بالأيمان عند أبي حنيفة المدعى عليهم ، ولا حلف على الأولياء عنده كما تقدم . الفرع الثالث - إن امتنع المدعون من الحلف ولم يرضوا بأيمان المدعى عليهم - فالظاهر أن الإمام يعطي ديته من بيت المال ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم فعل كذلك ، واللّه تعالى يقول : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] . الفرع الرابع - إن ردت الأيمان على المدعى عليهم فقد قال بعض أهل العلم : لا يبرأ أحد منهم حتى يحلف بانفراده خمسين يمينا ، ولا توزع الأيمان عليهم بقدر عددهم .