الشنقيطي

39

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة يوسف قوله تعالى : إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 ) [ 4 ] . لم يبين هنا تأويل هذه الرؤيا ، ولكنه بينه في هذه السورة الكريمة في قوله : فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ( 99 ) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [ يوسف : 99 - 100 ] الآية . ومن المعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي . قوله تعالى : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [ 6 ] . بين اللّه جل وعلا أنه علم نبيه يوسف من تأويل الأحاديث ، وصرح بذلك أيضا في قوله : وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [ يوسف : 21 ] . وقوله : * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [ يوسف : 101 ] . واختلف العلماء في المراد بتأويل الأحاديث . فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بذلك : تعبير الرؤيا ، فالأحاديث على هذا القول هي الرؤيا ، قالوا : لأنها إما حديث نفس أو ملك أو شيطان . وكان يوسف أعبر الناس للرؤيا . ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على خبرته بتأويل الرؤيا ، كقوله : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ [ يوسف : 41 ] وقوله : قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ [ يوسف : 47 ] إلى قوله : يَعْصِرُونَ [ يوسف : 49 ] . وقال بعض العلماء : المراد بتأويل الأحاديث معرفة معاني كتب اللّه وسنن الأنبياء ، وما غمض وما اشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها ، يفسرها لهم ويشرحها ، ويدلهم على مودعات حكمها . وسميت أحاديث ، لأنها يحدث بها عن اللّه ورسله ، فيقال : قال اللّه كذا ، وقال رسوله كذا ، ألا تر إلى قوله تعالى : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [ الأعراف : 185 ] . وقوله : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [ الزمر : 23 ] الآية .