الشنقيطي

380

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حدثنا عبد اللّه بن محمد الزهري ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن جدعان ، سمعه من القاسم بن ربيعة عن ابن عمر : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قام يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة ، فحمد اللّه وأثنى عليه فقال : « الحمد للّه الذي صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ألا أن قتيل الخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل : منها أربعون خلفة في بطونها أولادها » . اه . وساق البيهقي « 1 » رحمه اللّه طرق هذا الحديث ، وقال بعد أن ذكر الرواية عن ابن عمر التي في إسنادها علي بن زيد بن جدعان : أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ قال : سمعت محمد بن إسماعيل السكري يقول : سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : حضرت مجلس المزني يوما وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد . فقال السائل : إن اللّه تبارك وتعالى وصف القتل في كتابه صفتين : عمدا وخطأ ؛ فلم قلتم إنه على ثلاثة أصناف ؟ ولم قلتم شبه العمد ؟ فاحتج المزني بهذا الحديث فقال له مناظره : أتحتج بعلي بن زيد بن جدعان ؟ فسكت المزني . فقلت لمناظره : قد رو هذا الخبر غير علي بن زيد . فقال : ومن رواه غير علي ؟ قلت : رواه أيوب السختياني وخالد الحذّاء . قال لي : فمن عقبة بن أوس ؟ فقلت : عقبة بن أوس رجل من أهل البصرة ، وقد رواه عنه محمد بن سيرين مع جلالته . فقال للمزني : أنت تناظر ! أو هذا ؟ فقال : إذا جاء الحديث فهو يناظر ؛ لأنه أعلم بالحديث مني ، ثم أتكلم أنا اه ثم شرع البيهقي يسوق طرق الحديث المذكور . قال مقيده عفا اللّه عنه : لا يخفى على من له أدنى معرفة بالأسانيد ؛ أن الحديث ثابت من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، وأن الرواية عن ابن عمر وهم ، وآفتها من علي بن زيد بن جدعان ؛ لأنه ضعيف . والمعروف في علوم الحديث : أن الحديث إذا جاء صحيحا من وجه لا يعل بإتيانه من وجه آخر غير صحيح . والقصة التي ذكرها البيهقي في مناظرة محمد بن إسحاق بن خزيمة للعراقي الذي ناظر المزني ، تدل على صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند ابن خزيمة . قال مقيده عفا اللّه عنه : إذا عرفت الاختلاف بين العلماء في حالات القتل : هل هي ثلاث ، أو اثنتان ؟ وعرفت حجج الفريقين - فاعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه ما ذهب إليه الجمهور من أنها ثلاث حالات : عمد محض ، وخطأ محض ، وشبه عمد ؛ لدلالة الحديث الذي ذكرنا على ذلك ، ولأنه ذهب إليه الجمهور من علماء المسلمين . والحديث إنما أثبت شيئا سكت عنه القرآن ، فغاية ما في الباب زيادة أمر سكت عنه القرآن بالسنة ،

--> ( 1 ) السنن الكبر ، كتاب الجنايات 8 / 44 .