الشنقيطي

376

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

القصاص ، أو العفو مجانا ؛ فلو عفا على الدية وقال الجاني : لا أرضى إلا القتل ، أو العفو مجانا ، ولا أرضى الدية ؛ فليس لولي المقتول إلزامه الدية جبرا . واعلم أن الذين قالوا : إن الخيار للولي بين القصاص والدية اختلفوا في عين ما يوجبه القتل عمدا إلى قولين : أحدهما - أنه القود فقط ؛ وعليه فالدية بدل منه . والثاني - أنه أحد شيئين : هما القصاص والدية . وتظهر ثمرة هذا الخلاف فيما لو عفا عن الجاني عفوا مطلقا ، لم يصرح فيه بإرادة الدية ولا العفو عنها . فعلى أن الواجب عينا القصاص فإن الدية تسقط بالعفو المطلق . وعلى أن الواجب أحد الأمرين فإن الدية تلزم مع العفو المطلق . أما لو عفا على الدية فهي لازمة ، ولو لم يرض الجاني عند أهل هذا القول . والخلاف المذكور روايتان عن الشافعي ، وأحمد رحمهما اللّه . واحتج من قال : بأن الخيار بين القصاص والدية لولي المقتول بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما أن يفدي ، وإما أن يقتل » أخرجه الشيخان « 1 » ، والإمام أحمد « 2 » ، وأصحاب السنن « 3 » من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه ؛ لكن لفظ الترمذي : « إما أن تعفو وإما أن يقتل » . ومعنى « يفد » في بعض الروايات ، « ويود » في بعضها : يأخذ الفداء بمعنى الدية . وقوله « يقتل » بالبناء للفاعل : أي يقتل قاتل وليه . قالوا : فهذا الحديث المتفق عليه نص في محل النزاع ، مصرح بأن ولي المقتول مخير بين القصاص وأخذ الدية . وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء . وهذا الدليل قوي دلالة ومتنا كما تر . واحتجوا أيضا بقوله تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ [ البقرة : 178 ] . قالوا : إن اللّه جل وعلا رتب الاتباع بالدية بالفاء على العفو في قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ الآية . وذلك دليل واضح على أنه بمجرد العفو تلزم الدية ، وهو دليل قرآني قوي أيضا . واحتج بعض العلماء للمخالفين في هذا ؛ كمالك وأبي حنيفة رحمهما اللّه بأدلة ؛ منها ما قاله الطحاوي : وهو أن الحجة لهم حديث أنس في قصة الرّبيّع عمته فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كتاب اللّه القصاص » « 4 » فإنه حكم بالقصاص ولم يخير . ولو كان الخيار للولي لأعلمهم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في اللقطة حديث 2434 ، ومسلم في الحج حديث 447 . ( 2 ) المسند 2 / 238 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الديات حديث 4505 ، والترمذي في الديات حديث 1405 ، والنسائي في القسامة ، باب هل يؤخذ من قاتل العمد الدية ، وابن ماجة في الديات حديث 2624 . ( 4 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4611 ، ومسلم في القسامة حديث 24 .