الشنقيطي
359
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا [ الأعراف : 38 ] الآية ، وقوله تعالى : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ إبراهيم : 21 ] . الآية ، وقوله : وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ( 47 ) [ غافر : 47 ] إلى غير ذلك من الآيات . الوجه الثاني - أن بعضهم إن عصى اللّه وبغى وطغى ولم ينههم الآخرون فإن الهلاك يعم الجميع ؛ كما قال تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : 25 ] ، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي اللّه عنها : أنها لما سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا إله إلّا اللّه ، ويل للعرب من شرّ قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل ، هذه - وحلّق بإصبعه الإبهام والتي تليها » قالت له : يا رسول اللّه ، أنهلك وفينا الصّالحون ؟ قال : « نعم ، إذا كثر الخبث » « 1 » وقد قدمنا هذا المبحث موضحا في سورة المائدة . قوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) [ 17 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه أهلك كثيرا من القرون من بعد نوح ؛ لأن لفظة كَمْ في قوله وَكَمْ أَهْلَكْنا خبرية ، معناها الإخبار بعدد كثير . وأنه جل وعلا خبير بصير بذنوب عباده . وأكد ذلك بقوله وَكَفى بِرَبِّكَ الآية . وما دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحته آيات أخر من أربع جهات : الأولى - أن في الآية تهديدا لكفار مكة ، وتخويفا لهم من أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الأمم التي كذبت رسلها ؛ أي أهلكنا قرونا كثيرة من بعد نوح بسبب تكذيبهم الرسل ، فلا تكذبوا رسولنا لئلا نفعل بكم مثل ما فعلنا بهم . والآيات التي أوضحت هذا المعنى كثيرة ؛ كقوله في قوم لوط وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 138 ) [ الصافات : 137 - 138 ] ، وكقوله فيهم أيضا : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ( 76 ) [ الحجر : 75 - 76 ] ، وقوله فيهم أيضا : وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 35 ) [ العنكبوت : 35 ] ، وقوله : * أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها ( 10 ) [ محمد : 10 ] ، وقوله بعد ذكره جل وعلا إهلاكه لقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب في سورة الشعراء : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) [ الشعراء : 8 ] ، وقوله في
--> ( 1 ) سبق تخريجه .