الشنقيطي
344
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
سَعِيراً ( 12 ) [ الانشقاق : 10 - 12 ] ، وقوله تعالى : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) [ الإسراء : 14 ] يعني أنّ نفسه تعلم أنّه لم يظلم ، ولم يكتب عليه إلّا ما عمل ؛ لأنه في ذلك الوقت يتذكّر كل ما عمل في الدنيا من أول عمره إلى آخره ؛ كما قال تعالى : يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( 13 ) [ القيامة : 13 ] . وقد بيّن تعالى في مواضع أخر : أنه إن أنكر شيئا من عمله شهدت عليه جوارحه ؛ كقوله تعالى : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 ) [ يس : 65 ] ، وقوله : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) [ فصلت : 21 - 23 ] ، وقوله جل وعلا بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ( 15 ) [ القيامة : 14 - 15 ] ، وسيأتي إن شاء اللّه لهذا زيادة إيضاح في سورة القيامة . تنبيه لفظة « كفى » تستعمل في القرآن واللغة العربية استعمالين : تستعمل متعدية ، وهي تتعد غالبا إلى مفعولين ، وفاعل هذه المتعدية لا يجر بالباء ؛ كقوله : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [ الأحزاب : 25 ] ، وكقوله : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [ الزمر : 36 ] الآية ، وقوله : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 137 ] الآية ، ونحو ذلك من الآيات . وتستعمل لازمة ، ويطر ، جر فاعلها بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية ؛ كقوله في هذه الآية الكريمة كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) [ الإسراء : 14 ] ، وقوله تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ( 81 ) [ الأحزاب : 3 و 48 ] ، وقوله : وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً ( 6 ) [ النساء : 6 ] ونحو ذلك . ويكثر إتيان التمييز بعد فاعلها المجرور بالباء . وزعم بعض علماء العربية : أنّ جرّ فاعلها بالباء لازم . والحق أنه يجوز عدم جره بها ، ومنه قول الشاعر : عميرة ودع إن تجهزت غاديا * كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا وقول الآخر : ويخبرني عن غائب المرء هديه * كفى الهد عما غيب المرء مخبرا وعلى قراءة من قرأ يَلْقاهُ بضم الياء وتشديد القاف مبنيا للمفعول - فالمعنى : أن اللّه يلقيه ذلك الكتاب يوم القيامة ؛ فحذف الفاعل فبني الفعل للمفعول .