الشنقيطي

321

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ [ المائدة : 23 ] الآية - على ثبوت حكم الرجم في شريعة نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم لذمّه في كتابنا للمعرض عنه كما تقدّم . وما ذكرنا من أنّ حكم الرجم ثابت بالقرآن لا ينافي قول علي رضي اللّه عنه ، حين رجم امرأة يوم الجمعة : « رجمتها بسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » ؛ « 1 » لأنّ السنّة هي الّتي بيّنت أنّ حكم آية الرجم باق بعد نسخ تلاوتها . ويدلّ لذلك قول عمر رضي اللّه عنه في حديثه الصحيح المشهور : « فكان ممّا أنزل إليه آية الرّجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، رجم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورجمنا بعده . . » الحديث . والملحدون يقولون : إنّ الرجم قتل وحشي لا يناسب الحكمة التشريعيّة ، ولا ينبغي أن يكون مثله في الأنظمة الّتي يعامل بها الإنسان ؛ لقصور إدراكهم عن فهم حكم اللّه البالغة في تشريعه . والحاصل - أنّ الرجم عقوبة سماويّة معقولة المعنى ؛ لأنّ الزاني لمّا أدخل فرجه في فرج امرأة على وجه الخيانة والغدر ، فإنّه ارتكب أخسّ جريمة عرفها الإنسان بهتك الأعراض ، وتقذير الحرمات ، والسعي في ضياع أنساب المجتمع الإنساني . والمرأة الّتي تطاوعه في ذلك مثله . ومن كان كذلك فهو نجس قذر لا يصلح للمصاحبة ؛ فعاقبه خالقه الحكيم الخبير بالقتل ليدفع شرّه البالغ غاية الخبث والخسّة ، وشرّ أمثاله عن المجتمع . ويطهّره هو من التنجيس بتلك القاذورة الّتي ارتكب ، وجعل قتلته أفظع . قتلة ؛ لأن جريمته أفظع جريمة - والجزاء من جنس العمل . وقد دلّ المطهّر على أنّ إدخال الفرج في الفرج المأذون فيه شرعا يوجب الغسل ، والمنع من دخول المسجد على كل واحد منهما حتى يغتسل بالماء . فدلّ ذلك أنّ ذلك الفعل يتطلّب طهارة في الأصل ، وطهارته المعنويّة إن كان حراما قتل صاحبه المحصن ؛ لأنّه إن رجم كفّر ذلك عنه ذنب الزّنى ، ويبقى عليه حقّ الآدمي ؛ كالزّوج إن زنى بمتزوّجة ، وحقّ الأولياء في إلحاق العار بهم كما أشرنا له سابقا . وشدّة قبح الزّنى أمر مركوز في الطبائع ، وقد قالت هند بنت عتبة وهي كافرة : ما أقبح ذلك الفعل حلالا ! فكيف به وهو حرام ! وغلّظ جلّ وعلا عقوبة المحصن بالرجم تغليظا أشدّ من تغليظ عقوبة البكر بمائة جلدة ؛ لأنّ المحصن قد ذاق عسيلة النساء ، ومن كان كذلك يعسر عليه الصبر عنهنّ . فلمّا كان الداعي إلى الزّنى أعظم ، كان الرادع عنه أعظم وهو الرجم . وأمّا جلد الزاني البكر ذكرا كان أو أنثى مائة جلدة - فهذا منصوص بقوله تعالى

--> ( 1 ) أخرجه عن علي بن أبي طالب البخاري في المحاربين حديث 6812 .