الشنقيطي
319
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
سرقة أمّ عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد ابنة عمّ المذكورة ، وقطع النبي صلى اللّه عليه وسلم يدها ففي حجّة الوداع ، بعد قصّة الأولى بأكثر من سنتين . فإن قيل : أخرج الشيخان في صحيحهما ، وأصحاب السنن وغيرهم من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قطع في مجنّ ثمنه ثلاثة دراهم . وفي لفظ بعضهم قيمته ثلاثة دراهم « 1 » . وأخرج الشيخان في صحيحهما ، وأصحاب السنن غير ابن ماجة وغيرهم من حديث عائشة رضي اللّه عنها : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم « كان يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا » « 2 » والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدا ، مع أنّه عرف من الشرع أنّ اليد فيها نصف الدية ، ودية الذهب ألف دينار ؛ فتكون دية اليد خمسمائة دينار . فكيف تؤخذ في مقابلة ربع دينار ؟ وما وجه العدالة والإنصاف في ذلك . فالجواب - أن هذا النوع من اعتراضات الملحدين الذين لا يؤمنون باللّه ورسوله ، هو الّذي نظمه المعرّي بقوله : يد بخمس مئين عسجد وديت * ما بالها قطعت في ربع دينار وللعلماء عنه أجوبة كثيرة نظما ونثرا ؛ منها قول القاضي عبد الوهاب مجيبا له في بحره ورويه : عزّ الأمانة أغلاها ، وأرخصها * ذلّ الخيانة ، فافهم حكمة الباري وقال بعضهم : لمّا خانت هانت . ومن الواضح : أنّ تلك اليد الخسيسة الخائنة لمّا تحمّلت رذيلة السرقة وإطلاق اسم السرقة عليها في شيء حقير كثمن المجنّ والأترجة ، كان من المناسب المعقول أن تؤخذ في ذلك الشيء القليل ، الّذي تحمّلت فيه هذه الرذيلة الكبر . وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة : ثمّ إنّا أجبنا عن هذا الطعن ، بأنّ الشرع إنّما قطع يده بسبب أنّه تحمّل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل ؛ فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة هذه العقوبة العظيمة اه . فانظر ما يدعو إليه القرآن : من مكارم الأخلاق ، والتنزّه عمّا لا يليق ، وقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا - يدلّ على أنّ التشريع السماويّ يضع درجة الخائن من خمسمائة درجة إلى ربع درجة . فانظر هذا الحطّ العظيم لدرجته ، بسبب ارتكاب الرذائل . وقد استشكل بعض الناس قطع يد السارق في السرقة خاصّة دون غيرها من الجنايات على الأموال ، كالغصب ، والانتهاب ، ونحو ذلك .
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه .