الشنقيطي
315
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يُطْعِمُونِ ( 57 ) [ الذاريات : 56 - 57 ] . وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ؛ كما قال : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( 34 ) [ إبراهيم : 34 ] ، وفي الآية الأخر « في سورة النحل » : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 ) [ النحل : 18 ] . وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ليشكروه ؛ كما قال تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) [ النحل : 78 ] فتمرّد الكفّار على ربّهم وطغوا وعتوا ، وأعلنوا الحرب على رسله لئلّا تكون كلمته هي العليا ، واستعملوا جميع المواهب الّتي أنعم عليهم بها في محاربته ، وارتكاب ما يسخطه ، ومعاداته ومعاداة أوليائه القائمين بأمره . وهذا أكبر جريمة يتصوّرها الإنسان . فعاقبهم الحكم العدل اللّطيف الخبير جلّ وعلا - عقوبة شديدة تناسب جريمتهم ؛ فسلبهم التصرف ، ووضعهم من مقام الإنسانيّة إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات ، فأجاز بيعهم وشراءهم ، وغير ذلك من التصرفات الماليّة ، مع أنّه لم يسلبهم حقوق الإنسانيّة سلبا كلّيا . فأوجب على مالكيهم الرفق والإحسان إليهم ، وأن يطعموهم ممّا يطعمون ، ويكسوهم ممّا يلبسون ، ولا يكلّفوهم من العمل ما لا يطيقون ، وإن كلّفوهم أعانوهم ؛ كما هو معروف في السنة الواردة عنه صلى اللّه عليه وسلم ، مع الإيصاء عليهم في القرآن ؛ كما في قوله تعالى : * وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى إلى قوله وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ النساء : 36 ] كما تقدّم . وتشوف الشارع تشوفا شديدا للحرّيّة والاخراج من الرقّ ؛ فأكثر أسباب ذلك ، كما أوجبه في الكفّارات من قتل خطأ وظهار ويمين وغير ذلك . وأوجب سراية العتق ، وأمر بالكتابة في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً [ النور : 33 ] ورغّب في الإعتاق ترغيبا شديدا . ولو فرضنا - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [ النحل : 60 ] أنّ حكومة من هذه الحكومات الّتي تنكر الملك بالرّقّ ، وتشنّع في ذلك على دين الإسلام - قام عليها رجل من رعاياها كانت تغدق عليه النعم ، وتسدي إليه جميع أنواع الإحسان ، ودبّر عليها ثورة شديدة يريد بها إسقاط حكمها ، وعدم نفوذ كلمتها ، والحيلولة بينها وبين ما تريده من تنفيذ أنظمتها ، الّتي يظهر لها أنّ بهما صلاح المجتمع ، ثمّ قدرت عليه بعد مقاومة شديدة فإنها تقتله شرّ قتلة . ولا شكّ أنّ ذلك القتل يسلبه جميع تصرفاته وجميع منافعه ؛ فهو أشدّ سلبا لتصرفات الإنسان ومنافعه من الرّقّ بمراحل . والكافر قام ببذل كلّ ما في وسعه ليحول دون إقامة نظام اللّه الّذي شرعه ؛ ليسير عليه خلقه فينشر بسببه في الأرض الأمن والطّمأنينة ؛ والرّخاء والعدالة ، والمساواة في الحقوق الشرعية ، وتنتظم به الحياة على أكمل الوجوه وأعدلها وأسماها * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) [ النحل : 90 ] فعاقبه اللّه هذه المعاقبة بمنعه