الشنقيطي

313

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

غيرها ، كالحمل والوضع ، والإرضاع وتربية الأولاد ، وخدمة البيت ، والقيام على شؤونه ؛ من طبخ وعجن وكنس ونحو ذلك . وهذه الخدمات الّتي تقوم بها للمجتمع الإنساني داخل بيتها في ستر وصيانة ، وعفاف ومحافظة على الشرف والفضيلة والقيم الإنسانيّة - لا تقلّ عن خدمة الرجل بالاكتساب ؛ فزعم أولئك السفلة الجهلة من الكفّار وأتباعهم : أنّ المرأة لها من الحقوق في الخدمة خارج بيتها مثل ما للرجل ، مع أنّها في زمن حملها ورضاعها ونفاسها ، لا قدر على مزاولة أي عمل فيه أي مشقّة كما هو مشاهد . فإذا خرجت هي وزوجها بقيت خدمات البيت كلها ضائعة : من حفظ الأولاد الصغار ، وإرضاع من هو في زمن الرضاع منهم ، وتهيئة الأكل والشرب للرجل إذا جاء من عمله . فلو أجروا إنسانا يقوم مقامها ، لتعطّل ذلك الإنسان في ذلك البيت التعطّل الّذي خرجت المرأة فرارا منه ؛ فعادت النتيجة في حافرتها على أن خروج المرأة وابتذالها فيه ضياع المروءة والدّين ؛ لأنّ المرأة متاع ، هو خير متاع الدنيا ، وهو أشدّ أمتعة الدنيا تعرّضا للخيانة ؛ لأنّ العين الخائنة إذا نظرت إلى شيء من محاسنها فقد استغلّت بعض منافع ذلك الجمال خيانة ومكرا ؛ فتعريضها لأن تكون مائدة للخونة فيه ما لا يخفى على أدنى عاقل . وكذلك إذا لمس شيئا من بدنها بدن خائن سرت لذّة ذلك اللّمس في دمه ولحمه بطبيعة الغريزة الإنسانيّة ؛ ولا سيّما إذا كان القلب فارغا من خشية اللّه تعالى ، فاستغلّ نعمة ذلك البدن خيانة وغدرا . وتحريك الغرائز بمثل ذلك النظر واللّمس يكون غالبا سببا لما هو شرّ منه ؛ كما هو مشاهد بكثرة في البلاد الّتي تخلّت عن تعاليم الإسلام ، وتركت الصيانة ؛ فصارت نساؤها يخرجن متبرّجات عاريات الأجسام إلّا ما شاء اللّه ؛ لأنّ اللّه نزع من رجالها صفة الرجولة والغيرة على حريمهم . ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم ! نعوذ باللّه من مسخ الضمير والذّوق ، ومن كلّ سوء ، ودعو الجهلة السّفلة : أنّ دوام خروج النساء بادية الرّؤوس والأعناق والمعاصم ، والأذرع والسوق ، ونحو ذلك يذهب إثارة غرائز الرجال ؛ لأنّ كثرة الإمساس تذهب الإحساس . كلام في غاية السقوط والخسّة ؛ لأنّ معناه : إشباع الرّغبة ممّا لا يجوز ، حتّى يزول الأرب منه بكثرة مزاولته ، وهذا كما تر . ولأنّ الدوام لا يذهب إثارة الغريزة باتفّاق العقلاء ؛ لأنّ الرجل يمكث مع امرأته سنين كثيرة حتّى تلد أولادهما ، ولا تزال ملامسته لها ، ورؤيته لبعض جسمها تثير غريزته ؛ كما هو مشاهد لا ينكره إلّا مكابر : لقد أسمعت لو ناديت حيّا * ولكن لا حياة لمن تنادي وقد أمر ربّ السماوات والأرض ، خالق هذا الكون ومدبر شؤونه ، العالم بخفايا أموره ، وبكلّ ما كان وما سيكون - بغضّ البصر عمّا لا يحلّ ؛ قال تعالى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 30 ) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [ النور : 30 - 31 ] الآية .