الشنقيطي
301
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وبيّن أنّ ذرّيّة من حمل من نوح لم يبق منها إلا ذرّيّة نوح في قوله : وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ ( 77 ) [ ص : 77 ] ، وكان نوح يحمد اللّه على طعامه وشرابه ، ولباسه وشأنه كلّه ؛ فسّماه اللّه عبدا شكورا . وأظهر أوجه الإعراب في قوله : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا [ 3 ] الآية - أنّه مناد بحرف محذوف . قوله تعالى : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [ 4 ] الآية - . أظهر الأقوال فيه : أنّه بمعنى أخبرناهم وأعلمناهم . ومن معاني القضاء : الإخبار والإعلام ؛ ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ( 66 ) [ الحجر : 66 ] والظّاهر أن تعديته ب « إلى » لأنّه مضمّن معنى الإيحاء . وقيل : مضمّن معنى : تقدّمنا إليهم فأخبرناهم . قال معناه ابن كثير . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ 7 ] . بيّن جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ من أحسن - أي بالإيمان والطّاعة - فإنّه إنّما يحسن إلى نفسه ؛ لأن نفع ذلك لنفسه خاصّة . وأنّ من أساء - أي بالكفر والمعاصي - فإنّه إنّما يسيء على نفسه ؛ لأنّ ضرر ذلك عائد إلى نفسه خاصّة . وبيّن هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [ فصلت : 46 ] الآية ، وقوله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزلزلة : 7 - 8 ] ، وقوله : مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 ) [ الروم : 44 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . واللام في قوله : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها بمعنى على ، أي فعليها ، بدليل قوله وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [ فصلت : 46 ] . ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى : وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ [ الإسراء : 109 ] الآية ؛ أي عليها : وقوله : فَسَلامٌ لَكَ [ الواقعة : 91 ] الآية ؛ أي سلام عليك - على ما قاله بعض العلماء . ونظير ذلك من كلام العرب : قول جابر التغلبيّ ، أو شريح العبسي ، أو زهير المزنيّ أو غيرهم : تناوله بالرّمح ثمّ انثنى له * فخرّ صريعا لليدين وللفم أي على اليدين وعلى الفم . والتّعبير بهذه اللام في هذه الآية للمشاكلة ؛ كما قدمنا في نحو : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ [ الشور : 40 ] الآية ، فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [ البقرة : 194 ] الآية .