الشنقيطي

29

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عند الصباح يحمد القوم السر * وتنجلي عنهم غيابات الكر قوله تعالى : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ [ 81 ] الآية . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة : أن موعد إهلاك قوم لوط وقت الصبح من تلك الليلة ، وكذلك قال في الحجر في قوله : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ( 66 ) [ الحجر : 66 ] وزاد في الحجر أن صبيحة العذاب وقعت عليهم وقت الإشراق وهو وقت طلوع الشمس بقوله : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ( 73 ) [ الحجر : 73 ] . قوله تعالى : وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [ 82 ] الآية . اختلف العلماء في المراد بحجارة السجيل اختلافا كثيرا ، والظاهر أنها حجارة من طين في غاية الشدة والقوة . والدليل على أن المراد بالسجيل : الطين . قوله تعالى في الذاريات في القصة بعينها : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ( 33 ) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ( 34 ) [ الذاريات : 33 - 34 ] ، وخير ما يفسر به القرآن : القرآن . والدليل على قوتها وشدتها : أن اللّه ما عذبهم بها في حالة غضبه عليهم إلا لأن النكال بها بالغ شديد . وأيضا فإن بعض العلماء قالوا : السجيل والسجين : أختان ، كلاهما الشديد من الحجارة والضرب . ومنه قول ابن مقبل . ورجلة يضربون البيض ضاحية * ضربا تواصى به الأبطال سجينا وعلى هذا ، فمعنى من سجيل : أيّ من طين شديد القوة . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ( 83 ) [ 83 ] . في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من التفسير للعلماء : اثنان منها كلاهما يشهد له القرآن ، وواحد يظهر أنه ضعيف . أما الذي يظهر أنه ضعيف فهو أن المعنى : أن تلك الحجارة ليست بعيدة من قوم لوط ؛ أي لم تكن تخطئهم . قاله القرطبي وغيره ؛ لأن هذا يكفي عنه قوله تعالى : وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً ونحوها من الآيات . أما الوجهان اللذان يشهد لكل واحد منهما قرآن فالأول منهما : أن ديار قوم لوط ليست ببعيدة من الكفار المكذبين لنبينا ؛ فكان عليهم أن يعتبروا بما وقع لأهلها إذا مروا عليها في أسفارهم إلى الشام ، ويخافوا أن يوقع اللّه بهم بسبب تكذيب نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم مثل ما وقع من العذاب بأولئك ، بسبب تكذيبهم لوطا عليه الصلاة والسلام . والآيات الدالة على هذا كثيرة جدا ؛ كقوله : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 138 ) [ الصافات : 137 - 138 ] ، وقوله : وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ( 76 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً