الشنقيطي
288
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
لَهُ [ المائدة : 45 ] الآية ، وقوله : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) [ الشور : 41 ] إلى قوله وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) [ الشور : 43 ] ، وقوله : * لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ إلى قوله أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 ) [ النساء : 149 ] كما قدّمنا . مسائل بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى - يؤخذ من هذه الآية حكم مسألة الظّفر ، وهي أنك إن ظلمك إنسان : بأن أخذ شيئا من مالك بغير الوجه الشّرعي ولم يمكن لك إثباته ، وقدرت له على مثل ما ظلمك به على وجه تأمن معه الفضيحة والعقوبة ؛ فهل لك أن تأخذ قدر حقّك أو لا ؟ أصحّ القولين ، وأجراهما على ظواهر النّصوص وعلى القياس : أنّ لك أن تأخذ قدر حقك من غير زيادة ؛ لقوله تعالى في هذه الآية : فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ الآية ، وقوله : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] . وممّن قال بهذا القول : ابن سيرين وإبراهيم النّخعيّ ، وسفيان ومجاهد ، وغيرهم . وقالت طائفة من العلماء منهم مالك : لا يجوز ذلك ؛ وعليه درج خليل بن إسحاق المالكيّ في مختصره بقوله في الوديعة : وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها . واحتجّ من قال بهذا القول بحديث « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك . ولا تخن من خانك » « 1 » اه . وهذا الحديث على فرض صحته لا ينهض الاستدلال به ؛ لأنّ من أخذ قدر حقّه ولم يزد عليه لم يخن من خانه ، وإنّما أنصف نفسه ممنّ ظلمه . المسألة الثانية - أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة المماثلة في القصاص . فمن قتل بحديدة قتل بها ، ومن قتل بحجر قتل به . ويؤيّده « رضّه صلى اللّه عليه وسلم رأس يهوديّ بين حجرين قصاصا لجارية فعل بها مثل ذلك » « 2 » . وهذا قول أكثر أهل العلم خلافا لأبي حنيفة ومن وافقه ، زاعما أنّ القتل بغير المحدّد شبه عمد ، لا عمد صريح حتّى يجب فيه القصاص . وسيأتي لهذا إن شاء اللّه تعالى زيادة إيضاح في سورة الإسراء .
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : أبو داود في البيوع حديث 3535 ، والترمذي في البيوع حديث 1264 ، والدارمي في البيوع 2 / 264 . ( 2 ) سبق تخريجه .