الشنقيطي
286
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وأشار أيضا لأنّه جعل له ثناء حسنا باقيا في الدّنيا ؛ قال تعالى : فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) [ مريم : 49 - 50 ] ، وقال : وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [ العنكبوت : 27 ] ، وقال : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) [ الشعراء : 84 ] . قوله تعالى : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ 123 ] . ذكر اللّه جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه أوحى إلى نبّينا صلى اللّه عليه وسلم الأمر باتّباع ملّة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . وبيّن هذا أيضا في غير هذا الموضع كقوله : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) [ الأنعام : 161 ] ، وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 77 ) إلى قوله جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( 78 ) [ الحج : 78 ] الآية ، وقوله : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ [ الممتحنة : 4 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . والملّة : الشّريعة . والحنيف : المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق . وأصله من الحنف : وهو اعوجاج الرّجلين ؛ يقال : برجله حنف أي اعوجاج . ومنه قول أمّ الأحنف بن قيس ترقصه وهو صبيّ : واللّه لولا حنف برجله * ما كان في فتيانكم من مثله وقوله حَنِيفاً حال من المضاف إليه ؛ على حدّ قول ابن مالك في الخلاصة : ما كان جزء ما له أضيفا * أو مثل جزئه فلا نحيفا لأنّ المضاف هنا وهو مِلَّةَ كالجزء من المضاف إليه وهو إِبْراهِيمَ لأنّه لو حذف لبقي المعنى تاما ؛ لأنّ قولنا : أن اتّبع إبراهيم ، كلام تامّ المعنى كما هو ظاهر ، وهذا هو مراده بكونه مثل جزئه . قوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ 125 ] . أمر اللّه جل وعلا نبيه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية الكريمة : أن يجادل خصومه بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة : من إيضاح الحق بالرفق واللين . وعن مجاهد وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال : أعرض عن أذاهم . وقد أشار إلى هذا المعنى في قوله : * وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا