الشنقيطي
27
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تسع جميع رجال قومه كما هو ظاهر ، فإذا زوجهن لرجال بقدر عددهن بقي عامة رجال قومه لا أزواج لهم . فيتعين أن المراد عموم نساء قومه ، ويدل للعموم قوله : أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ ( 165 ) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ [ الشعراء : 165 - 166 ] وقوله : لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ [ الأعراف : 81 ] ونحو ذلك من الآيات . وأما القرينة التي تبعده : فهي أن النبي ليس أبا للكافرات ، بل أبوة الأنبياء الدينية للمؤمنين دون الكافرين ، كما يدل عليه قوله : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ [ الأحزاب : 6 ] الآية . وقد صرح تعالى في الذاريات : بأن قوم لوط ليس فيهم مسلم إلا أهل بيت واحد وهم أهل بيت لوط ، وذلك في قوله فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 36 ) [ الذاريات : 36 ] . قوله تعالى : قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ( 80 ) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ [ 80 - 81 ] . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة : أن نبيه لوطا وعظ قومه ونهاهم أن يفضحوه في ضيفه ، وعرض عليهم النساء وترك الرجال ، فلم يلتفوا إلى قوله ، وتمادوا فيما هم فيه من إرادة الفاحشة فقال لوط : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً الآية . فأخبرته الملائكة بأنهم رسل ربه ، وأن الكفار الخبثاء لا يصلون إليه بسوء . وبين في القمر أنه تعالى طمس أعينهم ، وذلك في قوله : وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ( 37 ) [ القمر : 37 ] . قوله تعالى : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ [ 81 ] . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة : أنه أمر نبيه لوطا أن يسري بأهله بقطع من الليل ، ولم يبين هنا هل هو من آخر الليل ، أو وسطه أو أوله ، ولكنه بين في القمر أن ذلك من آخر الليل وقت السحر ، وذلك في قوله : إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ ( 34 ) [ القمر : 34 ] . ولم يبين هنا أنه أمره أن يكون من ورائهم وهم أمامه ، ولكنه بين ذلك في الحجر بقوله : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ( 65 ) [ الحجر : 65 ] . قوله تعالى : وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ [ 81 ] . قرأه جمهور القراء إِلَّا امْرَأَتَكَ بالنصب ، وعليه فالأمر واضح ؛ لأنه استثناء من الأهل ، أي أسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها ، واتركها في قومها فإنها هالكة معهم . ويدل لهذا الوجه قوله فيها في مواضع . كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ( 83 ) [ الأعراف : 83 ] والغابر : الباقي ، أي من الباقين في الهلاك .