الشنقيطي
267
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وظاهر هذه الآية الكريمة : أن الاستعاذة من الشيطان الرجيم واجبة عند القراءة ؛ لأن صيغة افعل للوجوب كما تقرر في الأصول . وقال كثير من أهل العلم : إن الأمر في الآية للندب والاستحباب ، وحكى عليه الإجماع أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة ، وظاهر الآية أيضا : الأمر بالاستعاذة عند القراءة في الصلاة لعموم الآية . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) [ 99 - 100 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين المتوكلين على اللّه ، وأن سلطانه إنما هو على أتباعه الذين يتولّونه ، والذين هم به مشركون . وبيّن هذا المعنى في غير هذا الموضع ، كقوله : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) [ الحجر : 42 ] ، وقوله : لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) [ ص : 83 ] ، وقوله : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ( 65 ) [ الإسراء : 65 ] ، وقوله : وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ [ سبأ : 21 ] الآية ، وقوله : وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [ إبراهيم : 22 ] . واختلف العلماء في معنى السلطان في هذه الآية . فقال أكثر أهل العلم : هو الحجة ، أي ليس للشيطان عليهم حجة فيما يدعوهم إليه من عبادة الأوثان . وقال بعضهم : ليس له سلطان عليهم ؛ أي تسلط وقدرة على أن يوقعهم في ذنب لا توبة منه . وقد قدمنا هذا . والمراد : ب الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ الذين يطيعونه فيوالونه بالطاعة . وأظهر الأقوال في قوله : هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) [ 100 ] أن الضمير عائد إلى الشيطان لا إلى اللّه . ومعنى كونهم مشركين به هو طاعتهم له في الكفر والمعاصي ؛ كما يدل عليه قوله تعالى : * أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) [ يس : 60 ] ، وقوله عن إبراهيم : يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ [ مريم : 44 ] إلى غير ذلك من الآيات . وأما سلطانه على الذين يتولّونه فهو ما جعلوه له على أنفسهم من الطاعة والاتباع والموالاة ، بغير موجب يستوجب ذلك . تنبيه فإنه قيل : أثبت اللّه للشيطان سلطانا على أوليائه في آيات ؛ كقوله هنا إِنَّما سُلْطانُهُ