الشنقيطي
25
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله في الحجر : وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ( 67 ) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ( 68 ) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ ( 69 ) قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ( 70 ) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 71 ) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 72 ) [ الحجر : 67 - 72 ] . وقوله يُهْرَعُونَ أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك ، ومنه قول مهلهل : فجاؤوا يهرعون وهم أسار * تقودهم على رغم الأنوف وقوله : وَلا تُخْزُونِ أي لا تهينون ولا تذلون بانتهاك حرمة ضيفي . والاسم منه : الخزي - بكسر الخاء وإسكان الزاي - ؛ ومنه قول حسان في عتبة بن أبي وقاص : فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك * ولقاك قبل الموت إحد الصواعق وقال بعض العلماء : قوله وَلا تُخْزُونِ ( 69 ) من الخزاية ، وهي الخجل والاستحياء من الفضيحة ؛ أي لا تفعلوا بضيفي ما يكون سببا في خجلي واستحيائي ، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا وحشيا تطارده الكلاب في جانب حبل من الرمل . حتى إذا دومت في الأرض راجعة * كر ولو شاء نجى نفسه الهرب خزاية أدركته بعد جولته * من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب يعني أن هذا الثور لو شاء نجا من الكلاب بالهرب ، ولكنه استحيا وأنف من الهرب فكر راجعا إليها . ومنه قوله الآخر : أجاعلة أم الثوير خزاية * على فراري أن لقيت بني عبس والفعل منه : خز يخزي ، كرضى يرضي . ومنه قول الشاعر : من البيض لا تخزي إذا الريح ألصقت * بها مرطها أو زايل الحلي جيدها وقول الآخر : وأني لا أخز إذا قيل مملق * سخى وأخز أن يقال بخيل وقوله : لَعَمْرُكَ [ الذاريات : 72 ] معناه أقسم بحياتك . واللّه جل وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه ، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلا نبينا صلى اللّه عليه وسلم وفي ذلك من التشريف له صلى اللّه عليه وسلم ما لا يخفى . ولا يجوز لمخلوق أن يحلف بغير اللّه ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت » « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عمر : البخاري في الأيمان والنذور حديث 6647 ، والتوحيد حديث 7401 ، ومسلم في الأيمان حديث 3 و 4 ، وأبو داود في الأيمان والنذور حديث 3249 ، والترمذي في -