الشنقيطي

246

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار يعرفون نعمة اللّه ؛ لأنهم يعلمون أنه هو الذي يرزقهم ويعافيهم ، ويدبر شؤونهم ، ثم ينكرون هذه النعمة ؛ فيبعدون معه غيره ، ويسوونه بما لا ينفع ولا يضر ، ولا يغني شيئا . وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة ؛ كقوله : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 31 ) [ يونس : 31 ] . فقوله : فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ دليل على معرفتهم نعمته . وقوله : فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 31 ) دليل على إنكارهم لها . والآيات بمثل هذا كثيرة جدا . وروي عن مجاهد : أن سبب نزول هذه الآية الكريمة : أن أعرابيا أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فسأله ؛ فقرأ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً [ النحل : 80 ] فقال الأعرابي : نعم ! قال : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً [ النحل : 80 ] الآية . قال الأعرابي : نعم ! ثم قرأ عليه كل ذلك يقول الأعرابي : نعم ! حتى بلغ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 ) [ النحل : 81 ] فولى الأعرابي ؛ فأنزل اللّه : يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها [ 83 ] الآية . وعن السدي رحمه اللّه : يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ثم ينكرونها ؛ أي يكذبونه وينكرون صدقه . وقد بين جل وعلا : أن بعثة نبيه صلى اللّه عليه وسلم فيهم من منن اللّه عليهم ؛ كما قال تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ آل عمران : 164 ] الآية . وبين في موضع آخر : أنهم قابلوا هذه النعمة بالكفران ؛ وذلك في قوله : * أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) [ إبراهيم : 28 ] . وقيل : يعرفون نعمة اللّه في الشدة ، ثم ينكرونها في الرخاء . وقد تقدمت الآيات الدالة على ذلك ، كقوله : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 ) [ العنكبوت : 65 ] ، ونحوها من الآيات - إلى غير ذلك من الأقوال في الآية . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ( 83 ) [ 83 ] قال بعض العلماء : معناه أنهم كلهم كافرون . أطلق الأكثر وأراد الكل ؛ قاله القرطبي والشوكاني . وقال الشوكاني : أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم . أو أراد كفر الجحود ، ولم يكن كفر كلهم كذلك ، بل كان كفر بعضهم كفر جهل . قوله تعالى : ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [ 84 ] . لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة متعلق الإذن في قوله لا يُؤْذَنُ ولكنه بين في ( المرسلات ) أن متعلق الإذن الاعتذار ؛ أي لا يؤذن لهم في الاعتذار ، لأنهم ليس لهم عذر