الشنقيطي
230
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقال الزمخشري في الكشاف : والسكر : الخمر ؛ سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا ، نحو رشد رشدا ورشدا . قال : وجاءونا بهم سكر علينا * فأجلى اليوم والسكران صاحي - اه ومن إطلاق السكر على الخمر قول الشاعر : بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم * إذا جر فيهم المزاء والسكر وممن قال : بأن السكر في الآية الخمر : ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وأبو رزين ، والحسن ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وابن أبي ليلى ، والكلبي ، وابن جبير ، وأبو ثور ، وغيرهم . وقيل : السكر : الخل . وقيل : الطعم وقيل : العصير الحلو . وإذا عرفت أن الصحيح هو مذهب الجمهور ، وأن اللّه امتن على هذه الأمة بالخمر قبل تحريمها - فاعلم أن هذه الآية مكية ، نزلت بعدها آيات مدنية بينت تحريم الخمر ، وهي ثلاث آيات نزلت بعد هذه الآية الدالة على إباحة الخمر . الأولى - آية البقرة التي ذكر فيها بعض معائبها ومفاسدها ، ولم يجزم فيها بالتحريم ، وهي قوله تعالى : * يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [ البقرة : 219 ] وبعد نزولها تركها قوم للإثم الذي فيها ، وشربها آخرون للمنافع التي فيها . الثانية - آية النساء الدالة على تحريمها في أوقات الصلوات ، دون الأوقات التي يصحو فيها الشارب قبل وقت الصلاة ، كما بين صلاة العشاء وصلاة الصبح ، وما بين صلاة الصبح وصلاة الظهر ، وهي قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] الآية . الثالثة - آية المائدة الدالة على تحريمها تحريما باتا ، وهي قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) [ المائدة : 90 ] إلى قوله - فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) [ المائدة : 91 ] . وهذه الآية الكريمة تدل على تحريم الخمر أتم دلالة وأوضحها ؛ لأنه تعالى صرح بأنها رجس ، وأنها من عمل الشيطان ، وأمر باجتنابها أمرا جازما في قوله فَاجْتَنِبُوهُ واجتناب الشيء : هو التباعد عنه ، بأن تكون في غير الجانب الذي هو فيه . وعلق رجاء الفلاج على اجتنابها في قوله : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) ويفهم منه - أنه من لم يجتنبها لم يفلح ، وهو كذلك . ثم بين بعض مفاسدها بقوله : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ