الشنقيطي

23

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وأنهم لما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة فقالوا لا تخف وأخبروه بخبرهم . وبين في الذاريات : أنه راغ إلى أهله - أيّ مال إليهم - فجاء بذلك العجل وبين أنه سمين ، وأنه قربه إليهم ، وعرض عليهم الأكل برفق فقال لهم : أَ لا تَأْكُلُونَ [ الذاريات : 27 ] وأنه أوجس منهم خيفة وذلك في قوله : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 25 ) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ( 26 ) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 ) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [ الذاريات : 24 - 28 ] الآية . تنبيه يؤخذ من قصة إبراهيم مع ضيفه هؤلاء أشياء من آداب الضيافة . منها - تعجيل القري لقوله فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ( 69 ) . ومنها - كون القر من أحسن ما عنده ، لأنهم ذكروا أن الذي عنده البقر وأطيبه لحما الفتى السمين المنضح . ومنها - تقريب الطعام إلى الضعيف . ومنها - ملاطفته بالكلام بغاية الرفق ، كقوله أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 ) . ومعنى قوله نَكِرَهُمْ أي أنكرهم لعدم أكلهم ، والعرب تطلق نكر وأنكر بمعنى واحد وقد جمعهما قول الأعشى : وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا وروي عن يونس : أن أبا عمرو بن العلاء حدثه : أنه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الأعشى . واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ( 72 ) [ 72 ] . بين اللّه جل وعلا في هذه السورة الكريمة ما قالته امرأة إبراهيم لما بشرت بالولد وهي عجوز ، ولم يبين هنا ما فعلت عند ذلك ، ولكنه بين ما فعلت في الذاريات بقوله فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ( 29 ) [ الذاريات : 29 ] وقوله فِي صَرَّةٍ أي ضجة وصيحة . وقوله فَصَكَّتْ وَجْهَها ألطمته . قوله تعالى : وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ( 74 ) [ 74 ] . لم يبين هنا ما جادل به إبراهيم الملائكة في قوم لوط ، ولكنه أشار إليه في العنكبوت بقوله قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ ( 31 ) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا