الشنقيطي

224

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

القول الثالث - أنه نجس ، ورطبه لا بد له من الماء ، ويابسه لا يحتاج إلى الماء بل يطهر بفركه من الثوب حتّى يزول منه ؛ وهذا هو مذهب أبي حنيفة . واختار الشوكاني في ( نيل الأوطار ) : أنه نجس ، وأن إزالته لا تتوقف على الماء مطلقا . أما حجة من قال إنه طاهر كالمخاط فهي بالنص والقياس معا ، ومعلوم في الأصول : أن القياس الموافق للنص لا مانع منه ، لأنه دليل آخر عاضد للنص ، ولا مانع من تعاضد الأدلة . أما النص فهو ما ثبت عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثمّ يذهب فيصلي فيه » . أخرجه مسلم في صحيحه « 1 » ، وأصحاب السنن الأربعة « 2 » والإمام أحمد « 3 » . قالوا : فركها له يابسا ، وصلاته في الثوب من غير ذكر غسل - دليل على الطهارة . وفي رواية عند أحمد : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسلت المنيّ من ثوبه بعرق الإذخر ، ثم يصلي فيه ، ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه « 4 » . وفي رواية عن عائشة عند الدارقطني : « كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا كان يابسا ، وأغسله إذا كان رطبا » « 5 » وعن إسحاق بن يوسف قال : حدثنا شريك ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : سئل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن المنيّ يصيب الثوب فقال : « إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق ، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة » « 6 » . قال صاحب ( منتقى الأخبار ) بعد أن ساق هذا الحديث كما ذكرنا : رواه الدارقطني وقال : لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك . قلت : وهذا لا يضر ؛ لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين ، فيقبل رفعه وزيادته . قال مقيده عفا اللّه عنه : ما قاله الإمام المجد رحمه اللّه ( في المنتقى ) من قبول رفع العدل وزيادته ، هو الصحيح عند أهل الأصول وأهل الحديث كما بيناه مرارا ، إلى غير ذلك من الأحاديث في فرك المني وعدم الأمر بغسله . وأما القياس العاضد للنص فهو من وجهين : أحدهما - إلحاق المني بالبيض ؛ بجامع أن كلا منهما مائع يتخلق منه حيوان حي طاهر ، والبيض طاهر إجماعا ؛ فيلزم كون المني طاهرا أيضا .

--> ( 1 ) كتاب الطهارة حديث 105 و 106 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الطهارة حديث 371 ، والترمذي في الطهارة حديث 116 ، والنسائي في الطهارة باب فرك المني من الثوب ، وابن ماجة في الطهارة حديث 537 . ( 3 ) المسند 6 / 135 ، 193 . ( 4 ) المسند 6 / 243 . ( 5 ) أخرجه الدارقطني في الطهارة حديث ( 3 ) 1 / 125 . ( 6 ) أخرجه الدارقطني في الطهارة حديث ( 1 ) 124 .