الشنقيطي

216

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بِالْأُنْثى الآية ، ونظيره قوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) [ آل عمران : 21 ] ، ونحو ذلك من الآيات . وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم ؛ ولما خطبت إلى عقيل بن علفة المري ابنته الجرباء قال : أني وإن سيق إلى المهر * ألف وعبدان وذود عشر أحب أصهاري إلى القبر ويرو لعبد اللّه بن طاهر قوله : لكل أبي بنت يراعى شؤونها * ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر فبعل يراعيها وخدر يكنها * وقبر يواريها وخيرهم القبر وهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن ، وشدة كراهيتهم لولادتهن : الخوف من العار ، وتزوج غير الأكفاء ، وأن تهان بناتهم بعد موتهم ؛ كما قال الشاعر في ابنة له تسمى مودة : مودة تهو عمر شيخ يسره * لها الموت قبل الليل لو أنها تدري يخاف عليها جفوة الناس بعده * ولا ختن يرجى أود من القبر قوله تعالى : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 ) [ 61 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض ، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة ؛ لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة ، ورب السماوات والأرض لا يفوته شيء أراده . وذكر هذا المعنى في غير هذا الموضع ؛ كقوله في « آخر سورة فاطر » : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] الآية ، وقوله : وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ [ الكهف : 58 ] الآية . وأشار بقوله : وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمل . وبين ذلك في غير هذا الموضع ؛ كقوله : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 ) [ إبراهيم : 42 ] ، وقوله : وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ [ العنكبوت : 53 ] . وبين هنا : أن الإنسان إذا جاء أجله لا يستأخر عنه ، كما أنه لا يتقدم عن وقت أجله . وأوضح ذلك في مواضع أخر ؛ كقوله : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ [ نوح : 4 ] الآية ، وقوله : وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [ المنافقون : 11 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات .