الشنقيطي

204

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 37 ) [ 37 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية : أن حرص النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على إسلام قومه لا يهدي من سبق في علم اللّه أنه شقي . وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] ، وقوله : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 41 ) [ المائدة : 41 ] ، وقوله : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 186 ) [ الأعراف : 186 ] ، وقوله : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [ الأنعام : 125 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقرأ هذا الحرف نافع ، وابن عامر ، وابن كثير ، وأبو عمر : فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ بضم الياء وفتح الدال ؛ من « يهد » مبينا للمفعول . وقوله : مَنْ نائب الفاعل . والمعنى : أن من أضله اللّه لا يهد ، أيّ لا هادي له . وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي بفتح الياء وكسر الدال ، من « يهدي » مبنيا للفاعل . وقوله : مَنْ مفعول به ليهدي ، والفاعل ضمير عائد إلى اللّه تعالى . والمعنى : أن من أضله اللّه لا يهديه اللّه . وهي على هذه القراءة فيمن سبقت لهم الشقاوة في علم اللّه ؛ لأن غيرهم قد يكون ضالا ثم يهديه اللّه كما هو معروف . وقال بعض العلماء : لا يهدي من يضل ما دام في إضلاله له ؛ فإن رفع اللّه عنه الضلالة وهداه فلا مانع من هداه . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا [ 38 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار حلفوا جهد أيمانهم - أيّ اجتهدوا في الحلف - وغلظوا الأيمان على أن اللّه لا يبعث من يموت . وكذبهم اللّه جل وعلا في ذلك بقوله : بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ، وكرر في آيات كثيرة هذا المعنى المذكور هنا من إنكارهم للبعث وتكذيبه لهم في ذلك ، كقوله : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [ التغابن : 7 ] الآية ، وقوله : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ( 104 ) [ يوسف : 104 ] ، وقوله : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) [ يس : 79 ] ، وقوله : فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الإسراء : 51 ] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا .