الشنقيطي

200

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) [ المؤمنون : 12 - 16 ] . تنبيه أضاف جل وعلا في هذه الآية الكريمة الدار إلى الآخرة ، مع أن الدار هي الآخرة بدليل قوله : وَلَدارُ الْآخِرَةِ . . الآية ، بتعريف الدار ونعتها بالآخرة في غير هذا الموضع . وعلى مقتضى قول ابن مالك في الخلاصة : ولا يضاف اسم لما به اتحد * معنى وأول موهما إذا ورد فإن لفظ « الدار » يؤول بمسمى الآخرة . وقد بينا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في « سورة فاطر » في الكلام على قوله « ومكر السئ » أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه بلفظين مختلفين - أسلوب من أساليب اللغة العربية ؛ لتنزيل التغاير في اللفظ منزلة التغاير في المعنى . وبينا كثرته في القرآن ، وفي كلام العرب . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ( 30 ) [ 30 ] . مدح اللّه جل وعلا دار المتقين التي هي الجنة في هذه الآية الكريمة ؛ لأن « نعم » فعل جامد لإنشاء المدح . وكرر الثناء عليها في آيات كثيرة ؛ لأن فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ؛ كما قال تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] الآية ، وقال : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ( 20 ) [ الإنسان : 20 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . قوله تعالى : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ( 31 ) [ 31 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن المتقين يدخلون يوم القيامة جنات عدن . والعدن في لغة العرب : الإقامة ؛ فمعنى جنات عدن : جنات إقامة في النعيم ، لا يرحلون عنها ، ولا يتحولون . وبين في آيات كثيرة : أنهم مقيمون في الجنة على الدوام ، كما أشار له هنا بلفظة « عدن » ، كقوله : لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا ( 108 ) [ الكهف : 108 ] ، وقوله : الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ [ فاطر : 35 ] الآية . والمقامة : الإقامة . وقد تقرر في التصريف : أن الفعل إذا زاد على ثلاثة أحرف فالمصدر الميمي منه ، واسم الزمان ، واسم المكان كلها بصيغة اسم المفعول . وقوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ ( 51 ) [ الدخان : 51 ] على قراءة نافع وابن عامر بضم الميم من الإقامة . وقوله : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً