الشنقيطي
197
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله تعالى : ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) [ 28 ] . يعني أن الذين تتوفاهم الملائكة في حال كونهم ظالمي أنفسهم إذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم وقالوا : ما كنا نعمل من سوء . فقوله ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ معمول قول محذوف بلا خلاف . والمعنى : أنهم ينكرون ما كانوا يعملون من السوء ، وهو الكفر وتكذيب الرسل والمعاصي . وقد بين اللّه كذبهم بقوله : بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) . وبين في مواضع أخر : أنهم ينكرون ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي كما ذكر هنا . وبين كذبهم في ذلك أيضا ؛ كقوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) [ الأنعام : 23 - 24 ] ، وقوله : قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ [ غافر : 74 ] ؛ وقوله : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 18 ) [ المجادلة : 18 ] ، وقوله : وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) [ الفرقان : 22 ] أيّ حراما محرما أن تمسونا بسوء ؛ لأنا لم نفعل ما نستحق به ذلك ، إلى غير ذلك من الآيات . وقوله هنا « بلى » تكذيب لهم في قولهم ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ . تنبيه لفظة « بلى » لا تأتي في اللغة العربية إلا لأحد معنيين لا ثالث لهما : الأول - أن تأتي لإبطال نفي سابق في الكلام ، فهي نقيضة « لا » ؛ لأن « لا » لنفي الإثبات ، و « بلى » لنفي النفي ؛ كقوله هنا : ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ فهذا النفي نفته لفظة « بلى » أي كنتم تعملون السوء من الكفر والمعاصي ؛ وكقوله : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [ التغابن : 7 ] ، وكقوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [ سبأ : 3 ] وقوله : وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] فإنه نفى هذا النفي بقوله جل وعلا بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [ البقرة : 112 ] الآية ، ومثل هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب . الثاني - أن تكون جوابا لاستفهام مقترن بنفي خاصة ؛ كقوله : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] ، وقوله : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى [ يس : 81 ] ، وقوله : قالُوا أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى [ غافر : 50 ] ، وهذا أيضا كثير في القرآن وفي كلام العرب . أما إذا كان الاستفهام غير مقترن بنفي