الشنقيطي
195
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وذكر بعض مكر قوم نوح بقوله : وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 ) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [ نوح : 22 - 23 ] الآية . وبين مكر رؤساء الكفار في قوله : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ [ سبأ : 33 ] الآية . والمكر : إظهار الطيب وإبطان الخبيث ، وهو الخديعة . وقد بين جل وعلا أن المكر السئ لا يرجع ضرره إلا على فاعله ؛ وذلك في قوله : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [ فاطر : 43 ] . قوله تعالى : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [ 26 ] . أيّ اجتثه من أصله واقتلعه من أساسه ؛ فأبطل عملهم وأسقط بنيانهم . وهذا الذي فعل بهؤلاء الكفار الذين هم نمروذ وقومه - كما قدمنا في « سورة الحجر » - فعل مثله أيضا بغيرهم من الكفار ؛ فأبطل ما كانوا يفعلون ويدبرون ؛ كقوله : وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ( 137 ) [ الأعراف : 137 ] وقوله : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [ المائدة : 64 ] ، وقوله : اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ( 2 ) [ الحشر : 2 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ [ 27 ] . أيّ يفضحهم على رؤوس الأشهاد ويهينهم بإظهار فضائحهم ، وما كانت تجنه ضمائرهم ، فيجعله علانية . وبين هذا المعنى في مواضع أخر ، كقوله : * أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ( 9 ) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ( 10 ) [ العاديات : 9 - 10 ] أيّ أظهر علانية ما كانت تكنه الصدور ، وقوله : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) [ الطارق : 9 ] . وقد بين جل وعلا في موضع آخر : أن من أدخل النار فقد ناله هذا الخزي المذكور ، وذلك في قوله : رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [ آل عمران : 192 ] وقد قدمنا في سورة « هود » إيضاح معنى الخزي . قوله تعالى : وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ [ 27 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة . أنه يسأل المشركين يوم القيامة سؤال توبيخ ، فيقول لهم : أين المعبودات التي كنتم تخاصمون رسلي وأتباعهم بسببها ، قائلين : إنكم لا بد لكم أن تشركوها معي في عبادتي ! وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ، كقوله : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 62 ) [ القصص : 62 ] ، وقوله : وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ