الشنقيطي
192
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 24 ) [ 24 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار إذا سئلوا عما أنزل اللّه على نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم قالوا : لم ينزل عليه شيء . وإنما هذا الذي يتكلم به من أساطير الأولين ، نقله من كتبهم . والأساطير : جمع أسطورة أو إسطارة ، وهي الشيء المسطور في كتب الأقدمين من الأكاذيب والأباطيل . أصلها من سطر : إذا كتب ؛ ومنه قوله تعالى : وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) [ الطور : 2 ] . وقال بعض العلماء : الأساطير : الترهات والأباطيل . وأوضح هذا المعنى في آيات أخر ؛ كقوله : وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) [ الفرقان : 5 ] ، وقوله : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 31 ) [ الأنفال : 31 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقوله : ما ذا يحتمل أن تكون « ذا » موصولة و « ما » مبتدأ ، وجملة « أنزل » صلة الموصول ، والموصول وصلته خبر المبتدأ . ويحتمل أن يكون مجموعهما اسما واحدا في محل نصب ، على أنه مفعول « أنزل » كما أشار له في الخلاصة بقوله : ومثل ماذا بعد ما استفهام * أو من إذا لم تلغ في الكلام وبين جل وعلا كذب الكفار في دعواهم أن القرآن أساطير الأولين بقوله : قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ [ الفرقان : 6 ] الآية ، وبقوله هنا : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [ النحل : 25 ] . قوله تعالى : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 25 ) [ 25 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن أولئك الكفار الذين يصرفون الناس عن القرآن بدعواهم أنه أساطير الأولين ، تحملوا أوزارهم - أي ذنوبهم - كاملة ، وبعض أوزار أتباعهم الذين اتبعوهم في الضلال ، كما يدل عليه حرف التبعيض الذي هو « من » في قوله : وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ الآية . وقال القرطبي : « من » لبيان الجنس ؛ فهم يحملون مثل أوزار من أضلوهم كاملة . وأوضح تعالى هذا المعنى في قوله : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ( 13 ) [ العنكبوت : 13 ] واللام في قوله « ليحملوا » تتعلق بمحذوف دل المقام عليه ؛ أي قدرنا عليهم أن يقولوا في القرآن : أساطير الأولين ؛ ليحملوا أوزارهم .