الشنقيطي

19

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يجعل تعليمه بعض القرآن لهذه المرأة عوضا عن صداقها . وهو صريح في أن العوض على تعليم القرآن جائز . وما رد به بعض العلماء الاستدلال بهذا الحديث من أنه صلى اللّه عليه وسلم زوجه إياها بغير صداق إكراما له لحفظه ذلك المقدار من القرآن ، ولم يجعل التعليم صداقا لها - مردود بما ثبت في بعض الروايات في صحيح مسلم أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن » « 1 » وفي رواية لأبي داود « علمها عشرين آية وهي امرأتك » « 2 » . واحتجوا أيضا بعموم قوله صلى اللّه عليه وسلم الثابت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس : « إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللّه » « 3 » قالوا : الحديث وإن كان واردا في الجعل على الرقيا بكتاب اللّه فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب . واحتمال الفرق بين الجعل على الرقية وبين الأجرة على التعليم ظاهر . قال مقيده - عفا اللّه عنه - : الذي يظهر لي واللّه تعالى أعلم ، أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضا على تعليم القرآن ، والعقائد ، والحلال والحرام للأدلة الماضية . وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين ؛ لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم لا من قبيل الأجرة . والأولى لمن أغناه اللّه أن يتعفف عن أخذ شيء في مقابل التعليم للقرآن والعقائد والحلال والحرام . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ 40 ] الآية . ذكر اللّه جل وعلا في هذه الكريمة أنه أمر نبيه نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : أن يحمل في سفينته من كل زوجين اثنين . وبين في سورة قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ أنه أمره أن يسلكهم أي يدخلهم فيها . فدل ذلك على أن فيها بيوتا يدخل فيها الراكبون ؛ وذلك في قوله فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ المؤمنون : 27 ] ومعنى « اسلك » أدخل فيها من كل زوجين اثنين ؛ تقول العرب : سلكت الشيء في الشيء : أدخلته فيه . وفيه لغة أخر وهي : أسلكته فيه ، رباعيا بوزن أفعل ، والثلاثية لغة القرآن ؛ كقوله : فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ المؤمنون : 27 ] الآية . وقوله اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [ القصص : 32 ] الآية . وقوله كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) [ الشعراء :

--> - ومسلم في النكاح حديث 76 ، وأبو داود في النكاح حديث 2111 ، والترمذي في النكاح حديث 1114 ، والنسائي في النكاح باب هبة المرأة نفسها لرجل بغير صداق ، وابن ماجة في النكاح حديث 1889 . ( 1 ) أخرجه مسلم في النكاح حديث 77 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في النكاح حديث 2112 . ( 3 ) أخرجه البخاري في المرض حديث 5737 .