الشنقيطي

189

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وذكر تنعم أهل الجنة بالشرب في آنية الذهب في « سورة الزخرف » في قوله تعالى : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ [ الزخرف : 71 ] الآية . فمن شرب في الدنيا في أواني الذهب منع من هذا التنعم بها المذكور في « الزخرف » . وذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بالشرب في آنية الفضة في « سورة الإنسان » في قوله : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ( 15 ) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً ( 16 ) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا ( 17 ) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ( 18 ) [ الإنسان : 15 - 18 ] فمن شرب في آنية الفضة في الدنيا منع هذا التنعم بها المذكور في « سورة الإنسان » فقد ظهر بهذا للمنصف دلالة القرآن والسنة الصحيحة على منع لبس الفضة ؛ والعلم عند اللّه تعالى . تنبيه فإن قيل : عموم حديث حذيفة المذكور الذي استدللتم به ، وببيان القرآن أنه شامل للبس الفضة والشرب فيها ، وقلتم : إن كونه واردا في الشرب في آنية الفضة لا يجعله خاصا بذلك . فما الدليل في ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؟ فالجواب - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عما معناه : هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب ؟ فأجاب بما معناه : أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . قال البخاري في صحيحه : حدثنا مسدد ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه : أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزلت عليه وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ( 114 ) [ هود : 114 ] قال الرّجل : ألي هذه ؟ قال : « لمن عمل بها من أمّتي » « 1 » اه هذا لفظ البخاري في التفسير في « سورة هود » وفي رواية في الصحيح قال « لجميع أمتي كلهم » « 2 » اه . فهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ ، فقال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ألي هذه ؟ ومعنى ذلك : هل النص خاص بي لأني سبب وروده ؟ أو هو على عموم لفظه ؟ وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم له : « لجميع أمتي » معناه أن العبرة بعموم لفظ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ لا بخصوص السبب . والعلم عند اللّه تعالى . وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة : وَتَرَى الْفُلْكَ أي السفن . وقد دل القرآن على أن « الفلك » يطلق على الواحد وعلى الجمع ، وأنه إن أطلق على الواحد ذكر ، وإن

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة هود حديث 4687 . ( 2 ) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة حديث 526 .