الشنقيطي
183
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الذي كان يلبسه بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ؛ حتى سقط في بئر أريس كما هو ثابت في الصحيحين « 1 » . أما لبس الرجال لغير الخاتم من الفضة ففيه خلاف بين العلماء ، وسنوضح هذه المسألة إن شاء اللّه . اعلم أولا - أن الرجل إذا لبس من الفضة مثل ما يلبسه النساء من الحلي كالخلخال والسوار والقرط والقلادة ونحو ذلك ، فهذا لا ينبغي أن يختلف في منعه ؛ لأنه تشبه بالنساء ، ومن تشبه بهن من الرجال فهو ملعون على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما مر آنفا . وكل من كان ملعونا على لسانه صلى اللّه عليه وسلم فهو ملعون في كتاب اللّه ، كما قال ابن مسعود رضي اللّه عنه ؛ لأن اللّه يقول : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] . وأما غير ذلك كجعل الرجل الفضة في الثوب ، واستعمال الرجل شيئا محلى بأحد النقدين فجماهير العلماء منهم الأئمة الأربعة على أن ذلك ممنوع ، مع الإجماع على جواز تختم الرجل بخاتم الفضة . والاختلاف في أشياء كالمنطقة وآلة الحرب ونحوه والمصحف . والاتفاق على جعل الأنف من الذهب وربط الأسنان بالذهب والفضة . وسنذكر بعض النصوص من فروع المذاهب الأربعة في ذلك . قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الذي قال في ترجمته مبينا لما به الفتو ما نصه : وحرم استعمال ذكر محلى ولو منطقة وآلة حرب ؛ إلا السيف والأنف ، وربط سن مطلقا ، وخاتم فضة . لا ما بعضه ذهب ولو قل ، وإناء نقد واقتناؤه وإن لامرأة . وفي المغشي والمموه والمضبب وذي الحلقة وإناء الجوهر قولان . وجاز للمرأة الملبوس مطلقا ولو نعلا لا كسرير . انتهى الغرض من كلام خليل مع اختلاف في بعض المسائل التي ذكرها عند المالكية . وقال صاحب تبيين الحقائق في مذهب الإمام أبي حنيفة ما نصه : ولا يتحلى الرجل بالذهب والفضة إلا بالخاتم والمنطقة وحلية السيف من الفضة اه . وقال النووي في شرح المهذب في مذهب الشافعي : « فصل فيما يحل ويحرم من الحلي » فالذهب أصله على التحريم في حق الرجال ، وعلى الإباحة للنساء - إلى أن قال : وأما الفضة فيجوز للرجل التختم ، بها وهل له ما سو الخاتم من حلي الفضة كالدملج والسوار والطوق والتاج ؛ فيه وجهان . قطع الجمهور بالتحريم . انتهى محل الغرض من كلام النووي . وقال ابن قدامة في المقنع في مذهب الإمام أحمد : ويباح للرجال من الفضة الخاتم ، وفي حلية المنطقة روايتان ، وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل ؛ ومن الذهب قبيعة السيف . ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر . انتهى محل الغرض من المقنع .
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عمر : البخاري في اللباس حديث 5866 و 5873 ، ومسلم في اللباس حديث 54 ، وأخرجه عن أنس بن مالك البخاري في اللباس حديث 5879 .