الشنقيطي
164
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أي ظهر . وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي : لو دب ذر فوق ضاحي جلدها * لأبان من آثارهن حدود يعني لظهر من آثارهن ورم في الجلد . وقيل : من أبان المتعدية والمفعول محذوف ؛ أي مبين خصومته ومظهر لها . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ [ 5 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه خلق الأنعام لبني آدم ينتفعون بها تفضلا منه عليهم . وقد قدمنا في « آل عمران » أن القرآن بين أن الأنعام هي الأزواج الثمانية التي هي الذكر والأنثى من الإبل ، والبقر ، والضأن ، والمعز . والمراد بالدفء على أظهر القولين : أنه اسم لما يدفأ به ، كالملء اسم لما يملأ به ، وهو الدفاء من اللباس المصنوع من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها . . ويدل لهذا قوله تعالى : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 80 ) [ النحل : 80 ] وقيل : الدفء نسلها . والأول أظهر ؛ والنسل داخل في قوله وَمَنافِعُ أي من نسلها ودرها وَمِنْها تَأْكُلُونَ . ومنافع الأنعام التي بين اللّه جل وعلا امتنانه بها على خلقه في هذه الآية الكريمة ، بينها لهم أيضا في آيات كثيرة ، كقوله : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 21 ) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 22 ) [ المؤمنون : 21 - 22 ] ، وقوله : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 79 ) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 80 ) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ( 81 ) [ غافر : 79 - 81 ] ، وقوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 73 ) [ يس : 71 - 73 ] ، وقوله : وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ( 12 ) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ( 13 ) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 ) [ الزخرف : 12 - 14 ] ، وقوله : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ إلى غير ذلك من الآيات . والأظهر في إعراب وَالْأَنْعامَ أن عامله وهو خلق اشتغل عنه بالضمير فنصب بفعل مقدر وجوبا يفسره « خلق » المذكور ، على حد قول ابن مالك في الخلاصة : فالسابق انصبه بفعل أضمرا * حتما موافق لما قد أظهر