الشنقيطي

158

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة النحل قوله تعالى : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ 1 ] . أي قرب وقت إتيان القيامة . وعبر بصيغة الماضي تنزيلا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع . واقتراب القيامة المشار إليه هنا بينه جل وعلا في مواضع أخر ، كقوله : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [ الأنبياء : 1 ] ، وقوله جل وعلا : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [ القمر : 1 ] ، وقوله : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [ الأحزاب : 63 ] ، وقوله : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ( 17 ) [ الشور : 17 ] ، وقوله جل وعلا : أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ( 57 ) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ( 58 ) [ النجم : 57 - 58 ] إلى غير ذلك من الآيات . والتعبير عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقق وقوعه كثير في القرآن ، كقوله : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ [ الزمر : 68 ] الآية ، وقوله وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ [ الأعراف : 44 ] الآية ، وقوله : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 69 ) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ( 70 ) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الزمر : 69 - 71 ] الآية . فكل هذه الأفعال الماضية بمعنى الاستقبال ، نزل تحقق وقوعها منزلة الوقوع . وقوله تعالى : فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [ 1 ] . نهى اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن استعجال ما وعد به من الهول والعذاب يوم القيامة . والاستعجال هو طلبهم أن يعجل لهم ما يوعدون به من العذاب يوم القيامة . والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة ، كقوله جل وعلا : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 53 ) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 54 ) [ العنكبوت : 53 - 54 ] ، وقوله : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها [ الشور : 18 ] ، وقوله : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ [ هود : 8 ] الآية ، وقوله : وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ [ ص : 16 ] ، وقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ [ يونس : 50 ] إلى غير ذلك من الآيات .