الشنقيطي
14
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ [ 24 ] الآية . ضرب اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للكافر بالأعمى والأصم ، وضرب المثل للمؤمن بالسميع والبصير ، وبين أنهما لا يستويان ، ولا يستوي الأعمى والبصير ، ولا يستوي الأصم والسميع . وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة : قوله وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ( 20 ) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ( 23 ) [ فاطر : 19 - 23 ] . وقوله : * أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى [ الرعد : 19 ] الآية . وقوله : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 80 ) [ النمل : 80 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [ 27 ] الآية . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة : أن الملأ من قوم نوح قالوا له : ما نراك اتبعك منا إلا الأسافل والأراذل . وذكر في سورة الشعراء ، أن اتباع الأراذل له في زعمهم مانع لهم من اتباعه بقوله * قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ( 111 ) [ الشعراء : 111 ] . وبين في هذه السورة الكريمة : أن نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أبى أن يطرد أولئك المؤمنين الذين اتبعوه بقوله : وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ [ هود : 29 - 30 ] الآية . وذكر تعالى عنه ذلك في الشعراء أيضا بقوله : إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ( 113 ) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) [ الشعراء : 113 - 114 ] . قوله تعالى قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) [ 28 ] . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح : أنه قال لقومه : أَ رَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي على يقين ونبوة صادقة لا شك فيها ، وأعطاني رحمة منه مما أوحى إلي من التوحيد والهد ، فخفي ذلك كله عليكم ، ولم تعتقدوا أنه حق ، أيمكنني أن ألزمكم به ، وأجبر قلوبكم على الانقياد والإذعان لتلك البينة التي تفضل اللّه علي بها ، ورحمني بإيتائها ، والحال أنكم كارهون لذلك ؟ يعني ليس بيدي توفيقكم إلى الهد وإن كان واضحا جليا لا لبس فيه ، إن لم يهدكم اللّه جل وعلا إليه . وهذا المعنى صرح به جل وعلا عن نوح أيضا في هذه السورة الكريمة بقوله : وَلا