الشنقيطي
121
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ( 80 ) [ 80 ] . الحجر : منازل ثمود بين الحجاز والشام عند وادي القر . فمعنى الآية الكريمة : كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ، وقد بين تعالى تكذيب ثمود لنبيه صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في مواضع أخر ؛ كقوله : كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ( 141 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 142 ) [ الشعراء : 141 - 142 ] الآيات وقوله : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها [ الشمس : 14 ] وقوله : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) [ القمر : 23 - 24 ] وقوله : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 77 ) [ الأعراف : 77 ] إلى غير ذلك من الآيات . وإنما قال إنهم كذبوا المرسلين مع أن الذي كذبوه هو صالح وحده لأن دعوة جميع الرسل واحدة ، وهي تحقيق معنى « لا إله إلا اللّه » كما بينه تعالى بأدلة عمومية وخصوصية ؛ قال معمما لجميعهم : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) [ الأنبياء : 25 ] الآية . وقال : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل : 36 ] وقال : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( 45 ) [ الزخرف : 45 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقال في تخصيص الرسل بأسمائهم : لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي [ الأعراف : 59 ] وقال : لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [ الأعراف : 59 ] وقال : لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [ الأعراف : 59 ] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [ الأعراف : 85 ] إلى غير ذلك من الآيات . فإذا حققت أن دعوة الرسل واحدة عرفت أن من كذب واحدا منهم فقد كذب جميعهم . ولذا صرح تعالى بأن من كفر ببعضهم فهو كافر حقا . قال : وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ( 150 ) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [ النساء : 150 - 151 ] وبين أنه لا تصح التفرقة بينهم بقوله : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [ البقرة : 136 ] وقوله : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] ووعد الأجر على عدم التفرقة بينهم في قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ [ النساء : 152 ] الآية . وقد بينا هذه المسألة في كتابنا « دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب » . تنبيه اعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم مر بالحجر المذكور في هذه الآية في طريقه في غزوة تبوك ، فقد أخرج البخاري في صحيحه في غزوة تبوك عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : لمّا مرّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم