الشنقيطي

107

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى [ غافر : 11 ] الآية والإماتة الأولى هي كونهم نطفا وعلقا ومضغا والإماتة الثانية هي موتهم عند انقضاء آجالهم في الدنيا والإحياءة الأولى نفخ الروح فيهم وإخراجهم أحياء من بطون أمهاتهم والإحياءة الثانية بعثهم من قبورهم أحياء يوم القيامة وسيأتي له إن شاء اللّه تعالى زيادة إيضاح . قوله تعالى : وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ( 23 ) [ 23 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه الوارث ولم يبين الشيء الذي يرثه وبين في مواضع أخر أنه يرث الأرض ومن عليها كقوله : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) [ مريم : 40 ] وقوله : وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً ( 80 ) [ مريم : 80 ] ومعنى ما يقول أي نرثه الذي يقول إنه يؤتاه يوم القيامة من المال والولد كما ذكره اللّه عنه في قوله : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ( 77 ) [ مريم : 77 ] ومعنى كونه يرث الأرض ومن عليها أنه يبقى بعد فناء خلقه متصفا بصفات الكمال والجلال يفعل ما يشاء كيف يشاء . قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) [ 26 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه خلق أبانا آدم من صلصال من حمأ مسنون والصلصال الطين اليابس الذي يصل أي يصوت من يبسه إذا ضربه شيء ما دام لم تمسه النار فإذا مسته النار فهو حينئذ فخار ، وأصل الصليل والصلصلة واحد ، والفرق بينهما أنك إذا توهمت في الصوت مدا فهو صليل ، وإذا توهمت فيه ترجيعا فهو صلصلة ، والحمأ : الطين الأسود المتغير والمسنون . قيل : المصور من سنة الوجه وهي صورته ، ومنه قول ذي الرمة : تريك سنة وجه غير مقرفة * ملساء ليس بها خال ولا ندب وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن معنى المسنون وأجابه بأن معناه المصور قال له : وهل تعرف العرب ذلك ؟ فقال له ابن عباس : نعم ، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه وهو يمدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أغر كأن البدر سنة وجهه * جلا الغيم عنه ضوءه فتبددا وقيل المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها وقبل المسنون المنتن وقال بعض العلماء المسنون الأملس قال ومنه قول عبد الرحمن بن حسان : ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء * تمشي في مرمر مسنون أي أملس صقيل قاله ابن كثير وقال مجاهد الصلصال هو المنتن وما قدمنا هو الحق بدليل قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) [ الرحمن : 14 ] إذا عرفت هذا فاعلم أن اللّه جل وعلا أوضح في كتابه أطوار هذا الطين الذي خلق منه آدم فبين أنه أولا