الشنقيطي
10
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنها نزلت في قوم كانوا يكرهون أن يجامعوا أو يتغوطوا وليس بينهم وبين السماء حجاب ، يستحيون من اللّه . وقال بعض العلماء : معنى يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يغطون رؤوسهم لأجل كراهتهم استماع كلام اللّه ، كقوله تعالى عن نوح : وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ [ نوح : 7 ] الآية . وقيل : كانوا إذا عملوا سوءا ثنوا صدورهم وغطوا رؤوسهم ، يظنون أنهم إن فعلوا ذلك أخفوا به عملهم على اللّه جل وعلا . ويدل لهذا الوجه قوله تعالى : لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ الآية . وقرأ ابن عباس هذه الآية الكريمة ألا « إنهم تثنوني صدورهم » وتثنوني مضارع اثنوني ، ووزنه افعوعل من الثني كما تقول احلولى من الحلاوة ، وصدورهم في قراءة ابن عباس بالرفع فاعل تثنوني ، والضمير في قوله « منه » عائد إلى اللّه تعالى في أظهر القولين . وقيل : راجع إليه صلى اللّه عليه وسلم كما مر في الأقوال في الآية . قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ 7 ] . صرح في هذه الآية الكريمة أنه خلق السماوات والأرض لحكمة ابتلاء الخلق ، ولم يخلقهما عبثا ولا باطلا . ونزه نفسه تعالى عن ذلك ، وصرح بأن من ظن ذلك فهو من الذين كفروا وهددهم بالنار ، قال تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) [ ص : 27 ] وقال تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 ) [ المؤمنون : 115 - 116 ] وقال وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] ، وقال : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 2 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [ 8 ] الآية . المراد بالأمة هنا : المدة من الزمن . ونظيره قوله تعالى : وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف : 45 ] الآية . أي تذكر بعد مدة . تنبيه استعمل لفظ ( الأمة ) في القرآن أربعة استعمالات : الأول : هو ما ذكرنا هنا من استعمال الأمة في البرهة من الزمن .