جلال الدين السيوطي

84

الإتقان في علوم القرآن

رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] أي : ذاتك . ومنها : صيانة اللسان عنه تحقيرا له : صُمٌّ بُكْمٌ [ البقرة : 18 ] أي : هم أو المنافقون . ومنها : قصد العموم : نحو : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] أي : على العبادة وعلى أمورنا كلها . وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [ يونس : 25 ] أي : كلّ واحد . ومنها : رعاية الفاصلة : نحو : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) [ الضحى : 3 ] أي : وما قلاك . ومنها : قصد البيان بعد الإبهام : كما في فعل المشيئة ، نحو : وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ [ النحل : 9 ] أي : ولو شاء هدايتكم ؛ فإنّه إذا سمع السّامع وَلَوْ شاءَ تعلّقت نفسه بمشاء انبهم عليه ، لا يدري ما هو ، فلمّا ذكر الجواب استبان بعد ذلك . وأكثر ما يقع ذلك بعد أداة شرط ؛ لأن مفعول المشيئة مذكور في جوابها . وقد يكون مع غيرها استدلالا بغير الجواب ، نحو : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] . وقد ذكر أهل البيان : أنّ مفعول المشيئة والإرادة لا يذكر إلّا إذا كان غريبا أو عظيما ، نحو : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) [ التكوير : 28 ] ، لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً [ الأنبياء : 17 ] وإنّما اطرد أو كثر حذف مفعول المشيئة دون سائر الأفعال ؛ لأنه يلزم من وجود المشيئة وجود المشاء ، فالمشيئة المستلزمة لمضمون الجواب لا يمكن أن تكون إلّا مشيئة الجواب ، ولذلك كانت الإرادة مثلها في اطّراد مفعولها ، ذكره الزّملكاني والتنوخي في « الأقصى القريب » قالوا : وإذا حذف بعد ( لو ) فهو المذكور في جوابها أبدا ، وأورد في « عروس الأفراح » : قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً [ فصلت : 14 ] فإنّ المعنى : لو شاء ربّنا إرسال الرسل لأنزل ملائكة ؛ لأنّ المعنى معين على ذلك . فائدة : قال الشيخ عبد القاهر : ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلّا وحذفه أحسن من ذكره ، وسمّى ابن جنّي الحذف شجاعة العربية ؛ لأنّه يشجع على الكلام . قاعدة في حذف المفعول اختصارا واقتصارا : قال ابن هشام : جرت عادة النحويين أن يقولوا بحذف المفعول اختصارا واقتصارا ، ويريدون بالاختصار الحذف لدليل ، ويريدون بالاقتصار الحذف لغير دليل ، ويمثّلونه بنحو :