جلال الدين السيوطي

78

الإتقان في علوم القرآن

ونعت وسمّى ، وأهلك وأبقى ، وأسعد وأشقى ، وقصّ من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة - من بديع اللفظ والبلاغة والإيجاز والبيان - لجفّت الأقلام . وقد أفردت بلاغة هذه الآية بالتأليف ، وفي « العجائب » للكرماني : أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية ، بعد أن فتشوا جميع كلام العرب والعجم ، فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها ، وحسن نظمها ، وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال . وقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [ النمل : 18 ] الآية ، جمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسا من الكلام : نادت ، وكنّت ، ونبّهت ، وسمّت ، وأمرت ، وقصّت ، وحذّرت ، وخصّت ، وعمّت ، وأشارت ، وعذرت . فالنداء : ( يا ) ، والكناية : ( أيّ ) ، والتنبيه : ( ها ) ، والتسمية : النَّمْلِ ، والأمر : ادْخُلُوا ، والقصص : مَساكِنَكُمْ ، والتحذير : لا يَحْطِمَنَّكُمْ ، والتخصيص : ، والتعميم : جُنُودُهُ ، والإشارة : وَهُمْ ، والعذر : لا يَشْعُرُونَ . فأدّت خمسة حقوق : حقّ اللّه ، وحقّ رسوله ، وحقّها ، وحقّ رعيّتها ؛ وحقّ جنود سليمان . وقوله : يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [ الأعراف : 31 ] الآية ، جمع فيها أصول الكلام : النداء ، والعموم ، والخصوص ، والأمر ، والإباحة ، والنهي ، والخبر . وقال بعضهم : جمع اللّه الحكمة في شطر آية : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ الأعراف : 31 ] . وقوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [ القصص : 7 ] الآية ، قال ابن العربيّ « 1 » : هي من أعظم آي في القرآن فصاحة ، إذ فيها أمران ونهيان وخبران وبشارتان . وقوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ الحجر : 94 ] قال ابن أبي الإصبع : المعنى : صرّح بجميع ما أوحي إليك ، وبلغ كلّ ما أمرت ببيانه ، وإن شقّ بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت . والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب ، فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبّض والانبساط ، ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار ، كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة ، فانظر إلى جليل هذه الاستعارة ، وعظم إيجازها ، وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة . وقد حكي أنّ بعض الأعراب لمّا سمع هذه الآية سجد

--> ( 1 ) انظر أحكام القرآن ، وتفسير القرطبي 13 / 225 ونقله عن جارية تكلمت مع الأصمعي .