جلال الدين السيوطي
73
الإتقان في علوم القرآن
إيقانهم بالآخرة حتى صار غيرها عندهم كالمدحوض ، فهو حصر مجازيّ ، وهو دون قولنا : ( يوقنون بالآخرة لا بغيرها ) . فاضبط هذا ، وإيّاك أن تجعل تقديره : ( لا يوقنون إلّا بالآخرة ) . إذا عرفت هذا : فتقديم ( هم ) أفاد أنّ غيرهم ليس كذلك ؛ فلو جعلنا التقدير : ( لا يوقنون إلّا بالآخرة ) كان المقصود المهمّ : النفي ، فيتسلّط المفهوم عليه ، فيكون المعنى إفادة : أنّ غيرهم يوقن بغيرها ، كما زعم المعترض ، ويطرح إفهام أنه لا يوقن بالآخرة ، ولا شكّ أنّ هذا ليس بمراد ، بل المراد إفهام أنّ غيرهم لا يوقن بالآخرة ؛ فلذلك حافظنا على أنّ الغرض الأعظم إثبات الإيقان بالآخرة ، ليتسلّط المفهوم عليه ، وأنّ المفهوم لا يتسلّط على الحصر ؛ لأنّ الحصر لم يدلّ عليه بجملة واحدة مثل ( ما ) و ( إلّا ) ومثل ( إنما ) وإنما دلّ عليه بمفهوم مستفاد من منطوق ، وليس أحدهما متقيّدا بالآخر ؛ حتى نقول : إنّ المفهوم أفاد نفي الإيقان المحصور ، بل أفاد نفي الإيقان مطلقا عن غيرهم . وهذا كلّه على تقدير تسليم الحصر ، ونحن نمنع ذلك ، ونقول : إنّه اختصاص ، وإنّ بينهما فرقا . انتهى كلام السبكي .