جلال الدين السيوطي
71
الإتقان في علوم القرآن
وقال والده الشيخ تقي الدين في « كتاب الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص » : اشتهر كلام الناس في أنّ تقديم المعمول يفيد الاختصاص ، ومن الناس من ينكر ذلك ويقول : إنّما يفيد الاهتمام . وقد قال سيبويه في كتابه : وهم يقدّمون ما هم به أعنى . والبيانيون على إفادة الاختصاص ، ويفهم كثير من الناس من الاختصاص الحصر ، وليس كذلك ، وإنّما الاختصاص شيء والحصر شيء آخر ، والفضلاء لم يذكروا في ذلك لفظة ( الحصر ) . وإنّما عبّروا بالاختصاص ؛ والفرق بينهما : أن الحصر نفي غير المذكور وإثبات المذكور ، والاختصاص قصد الخاص من جهة خصوصه . وبيان ذلك : أن الاختصاص افتعال من الخصوص ، والخصوص مركّب من شيئين : أحدهما : عام مشترك بين شيئين أو أشياء ، والثاني : معنى منضمّ إليه يفصله عن غيره ، كضرب زيد ، فإنّه أخصّ من مطلق الضرب ، فإذا قلت : ضربت زيدا ، أخبرت بضرب عامّ وقع منك على شخص خاصّ ، فصار ذلك الضرب المخبر به خاصّا لما انضم إليك منك ومن زيد . وهذه المعاني الثلاثة - أعني مطلق الضرب ، وكونه واقعا منك ، وكونه واقعا على زيد - قد يكون قصد المتكلم لها ثلاثتها على السّواء . وقد يترجّح قصده لبعضها على بعض ، ويعرف ذلك بما ابتدأ به كلامه ، فإنّ الابتداء بالشيء يدلّ على الاهتمام به ، وأنه هو الأرجح في غرض المتكلّم . فإذا قلت : زيدا ضربت ، علم أنّ خصوص الضرب على زيد هو المقصود . ولا شك أنّ كلّ مركب من خاص وعام له جهتان ، فقد يقصد من جهة عمومه ، وقد يقصد من جهة خصوصه ، والثاني هو الاختصاص ، وأنه هو الأهمّ عند المتكلم ، وهو الذي قصد إفادته السامع من غير تعرّض ولا قصد لغيره بإثبات ولا نفي ، ففي الحصر معنى زائد عليه ، وهو نفي ما عدا المذكور . وإنّما جاء هذا في إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] للعلم بأنّ قائليه لا يعبدون غير اللّه ؛ ولذا لم يطّرد في بقية الآيات ، فإنّ قوله : أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [ آل عمران : 83 ] لو جعل في معنى : ( ما يبغون إلّا غير دين اللّه ) وهمزة الإنكار داخلة عليه ، لزم أن يكون المنكر الحصر لا مجرّد بغيهم غير دين اللّه ، وليس المراد . وكذلك : آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [ الصافات : 86 ] . المنكر إرادتهم آلهة دون اللّه من غير حصر . وقد قال الزمخشري « 1 » في : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ البقرة : 4 ] : في تقديم ( الآخرة ) وبناء ( يوقنون ) على ( هم ) تعريض بأهل الكتاب وما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة ، على خلاف حقيقته ،
--> ( 1 ) الكشاف 1 / 137 .