جلال الدين السيوطي
6
الإتقان في علوم القرآن
أَمِ السَّماءُ بَناها [ النازعات : 27 ] ، ثم قال : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) [ النازعات : 30 ] ، وأسمعه يقول : كانَ اللَّهُ ما شأنه يقول : وَكانَ اللَّهُ ؟ . فقال ابن عباس : أما قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] . فإنهم لما رأوا يوم القيامة ، وأن اللّه يغفر لأهل الإسلام ، ويغفر الذنوب ، ولا يغفر شركا ، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره ، جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم ، فقالوا : واللّه ربّنا ما كنا مشركين ، فختم اللّه على أفواههم فتكلّمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، فعند ذلك يود الّذين كفروا وعصوا الرّسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثا . وأما قوله : فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [ المؤمنون : 101 ] ؛ فإنه إذا نفخ في الصّور فصعق من في السّماوات ومن في الأرض إلّا من شاء اللّه فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، ثمّ نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون . وأما قوله : خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 9 ] فإن الأرض خلقت قبل السماء ، وكانت السماء دخانا ، فسواهنّ سبع سماوات في يومين بعد خلق الأرض . وأما قوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) [ النازعات : 30 ] ، يقول : جعل فيها جبلا ، وجعل فيها نهرا ، وجعل فيها شجرا ، وجعل فيها بحورا « 1 » . وأما قوله : وَكانَ اللَّهُ فإن اللّه كان ولم يزل كذلك ، وهو كذلك عزيز حكيم عليم قدير ، لم يزل كذلك . فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرت لك ، وإن اللّه لم ينزل شيئا إلّا وقد أصاب الذي أراد ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . أخرجه بطوله الحاكم في المستدرك وصححه ، وأصله في الصحيح . قال ابن حجر في شرحه « 2 » : « حاصل ما فيه السؤال عن أربعة مواضع » : الأول : نفي المسألة يوم القيامة وإثباتها .
--> ( 1 ) في تفسير عبد الرزاق 1 / 162 : « وأما قوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فيقول : مع ذلك دحاها ، و ( مع ) ، و ( بعد ) سواء في كلام العرب » ا ه . ( 2 ) فتح الباري 8 / 855 .