جلال الدين السيوطي

54

الإتقان في علوم القرآن

وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ [ الإسراء : 24 ] قال الراغب « 1 » : لمّا كان الذّلّ على ضربين : ضرب يضع الإنسان وضرب يرفعه ، وقصد في هذا المكان إلى ما يرفع ، استعير لفظ الجناح ، فكأنّه قيل : استعمل الذّل الذي يرفعك عند اللّه . وكذا قوله : يَخُوضُونَ فِي آياتِنا [ الأنعام : 68 ] . فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [ آل عمران : 187 ] . أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى [ التوبة : 109 ] . وَيَبْغُونَها عِوَجاً [ الأعراف : 45 ] . لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ الطلاق : 11 ] . فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] . فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ [ الشعراء : 225 ] . يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [ الإسراء : 29 ] : كلها من استعارة المحسوس للمعقول ، والجامع عقليّ . الخامس : استعارة معقول لمحسوس ، والجامع عقليّ أيضا « 2 » : نحو : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [ الحاقة : 11 ] المستعار ( منه ) التكبّر وهو عقليّ ، والمستعار له كثرة الماء وهو حسّيّ ، والجامع الاستعلاء وهو عقليّ أيضا . ومثله : تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [ الملك : 8 ] . وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [ الإسراء : 12 ] . وتنقسم باعتبار اللفظ إلى « 3 » : أصليّة : وهي ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس ، كآية : بِحَبْلِ اللَّهِ [ آل عمران : 103 ] . مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ الطلاق : 11 ] . فِي كُلِّ وادٍ [ الشعراء : 225 ] . وتبعيّة : وهي ما كان اللفظ فيها غير اسم جنس ، كالفعل والمشتقّات ، كسائر الآيات السابقة ، وكالحروف ، نحو : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [ القصص : 8 ] . شبّه ترتّب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب غلبة الغائيّة عليه ، ثم استعير في المشبّه اللّام الموضوعة للمشبّه به . وتنقسم باعتبار آخر إلى : مرشحة ، ومجرّدة ، ومطلقة « 4 » : فالأولى : - وهي أبلغها - أن تقترن بما يلائم المستعار منه . نحو :

--> ( 1 ) انظر المفردات ص 100 . ( 2 ) انظر البرهان 3 / 443 ، والإيجاز ص 269 . ( 3 ) انظر الإيجاز للرازي ص 244 - 245 . ( 4 ) انظر البرهان 3 / 438 ، والإكسير ص 249 - 251 ، و « القرآن والصورة البيانية » ص 161 - 164 .