جلال الدين السيوطي
208
الإتقان في علوم القرآن
وقوله : بِماءٍ مُنْهَمِرٍ مع قوله : قَدْ قُدِرَ وَدُسُرٍ مُسْتَمِرٍّ [ القمر : 11 ، 12 ، 13 ، 19 ] . وقوله : وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ مع قوله : وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ [ الرعد : 11 ، 12 ] . الخامس : كثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المدّ واللين وإلحاق النون ، وحكمته : وجود التمكّن من التطريب بذلك . كما قال سيبويه : إنهم إذا ترنّموا يلحقون الألف والياء والنون ؛ لأنهم أرادوا مدّ الصوت ، ويتركون ذلك إذا لم يترنّموا ، وجاء في القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع . السادس : حروف الفواصل إمّا متماثلة وإمّا متقاربة : فالأولى : مثل : وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ( 3 ) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ( 4 ) [ الصور : 1 - 4 ] . والثاني مثل : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) [ الفاتحة : 3 ، 4 ] . ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ( 1 ) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ( 2 ) [ ق : 1 ، 2 ] . قال الإمام فخر الدين وغيره « 1 » : وفواصل القرآن لا تخرج عن هذين القسمين ، بل تنحصر في المتماثلة والمتقاربة . قال : وبهذا يترجّح مذهب الشافعيّ على مذهب أبي حنيفة في عدّ الفاتحة سبع آيات مع البسملة . وجعل صِراطَ الَّذِينَ إلى آخرها آية ؛ فإنّ من جعل آخر الآية السادسة أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مردود بأنه لا يشابه فواصل سائر آيات السورة : لا بالمماثلة ولا بالمقاربة ، ورعاية التشابه في الفواصل لازمة . السابع : كثر في الفواصل التضمين والإيطاء ، لأنهما ليسا بعيبين في النثر ، وإن كانا عيبين في النظم . فالتضمين : أن يكون ما بعد الفاصلة متعلّقا بها ، كقوله تعالى : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ [ الصافات : 137 ، 138 ] . والإيطاء : تكرّر الفاصلة بلفظها ، كقوله تعالى في الإسراء [ الآية : 93 ] : هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا . وختم بذلك الآيتين بعدها .
--> ( 1 ) انظر البرهان 1 / 75 .