جلال الدين السيوطي
201
الإتقان في علوم القرآن
وقال في سورة النساء [ 48 ] : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( 48 ) . ثم أعادها ، وختم بقوله : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً [ النساء : 116 ] ونكتة ذلك : أنّ الأولى نزلت في اليهود ، وهم الذين افتروا على اللّه ما ليس في كتابه . والثانية نزلت في المشركين ، ولا كتاب لهم وضلالهم أشدّ . ونظيره : قوله في المائدة [ 44 ] : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ، ثم أعادها فقال : فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ المائدة : 45 ] ، ثم قال في الثالثة : فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ المائدة : 47 ] . ونكتته : أنّ الأولى نزلت في أحكام المسلمين ، والثانية في اليهود ، والثالثة في النصارى « 1 » . وقيل : الأولى فيمن جحد ما أنزل اللّه ، والثانية فيمن خالفه مع علمه ولم ينكره ، والثالثة فيمن خالفه جاهلا . وقيل : الكافر والظالم والفاسق كلها بمعنى واحد ، وهو الكفر ، عبّر عنه بألفاظ مختلفة لزيادة الفائدة ، واجتناب صورة التكرار . وعكس هذا : اتفاق الفاصلتين والمحدّث عنه مختلف ، كقوله في سورة النور [ 58 ] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ، إلى قوله : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ثم قال : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 59 ) [ النور : 59 ] . التنبيه الثاني : من مشكلات الفواصل قوله تعالى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) [ المائدة : 118 ] فإن قوله : وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ يقتضي أن تكون الفاصلة ( الغفور الرحيم ) وكذا نقلت عن مصحف أبيّ ، وبها قرأ ابن شنبوذ « 2 » . وذكر في حكمته : أنه لا يغفر لمن استحق العذاب إلّا من ليس فوقه أحد يردّ عليه حكمه ، فهو العزيز أي : الغالب ، والحكيم هو الذي يضع الشيء في محله . وقد يخفى وجه الحكمة على بعض الضعفاء في بعض الأفعال ، فيتوهمّهم أنه خارج عنها ، وليس
--> ( 1 ) انظر البرهان 1 / 87 . ( 2 ) هو محمد بن أحمد بن أيوب بن شنبوذ ، ويكنى : أبا الحسن . وهو من القرّاء ، لكن قراءته شاذة .