جلال الدين السيوطي
199
الإتقان في علوم القرآن
ومن ذلك قوله تعالى : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ الآيات ، فإنّ الأولى ختمت بقوله : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . والثانية بقوله : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . والثالثة بقوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . لأنّ الوصايا التي في الآية الأولى إنما يحمل على تركها عدم العقل الغالب على الهوى : لأنّ الإشراك باللّه ، لعدم استكمال العقل الدالّ على توحيده وعظمته . وكذلك عقوق الوالدين : لا يقتضيه العقل ، لسبق إحسانهما إلى الولد بكلّ طريق ، وكذلك قتل الأولاد بالوأد من الإملاق ، مع وجود الرازق الحيّ الكريم ، وكذلك إتيان الفواحش لا يقتضيه عقل ، وكذا قتل النفس لغيظ أو غضب في القاتل ، فحسن بعد ذلك يَعْقِلُونَ . وأما الثانية : فلتعلّقها بالحقوق المالية والقولية ، فإنّ من علم أنّ له أيتاما يخلّفهم من بعده : لا يليق به أن يعامل أيتام غيره إلا بما يحبّ أن يعامل به أيتامه . ومن يكيل أو يزن أو يشهد لغيره : لو كان ذلك الأمر له لم يحبّ أن يكون فيه خيانة ولا بخس . وكذا من وعد : لو وعد ، لم يحب أن يخلف . ومن أحب ذلك عامل الناس به ليعاملوه بمثله ، فترك ذلك إنما يكون لغفلة عن تدبّر ذلك وتأمّله ، فلذلك ناسب الختم بقوله : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . وأما الثالثة : فلأنّ ترك اتباع شرائع اللّه الدينية مؤدّ إلى غضبه وإلى عقابه ، فحسن : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي : عقاب اللّه بسببه . ومن ذلك قوله في الأنعام - أيضا - : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ الآيات ، فإنه ختم الأولى بقوله : لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، والثانية بقوله : لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ، والثالث بقوله : لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وذلك لأنّ . حساب النجوم والاهتداء بها يختصّ بالعلماء بذلك ، فناسب ختمه ب يَعْلَمُونَ . وإنشاء الخلائق من نفس واحدة ، ونقلهم من صلب إلى رحم ، ثم إلى الدنيا ، ثم إلى حياة وموت ، والنظر في ذلك والفكر فيه أدقّ ، فناسب ختمه ب يَفْقَهُونَ لأنّ الفقه فهم الأشياء الدقيقة . ولمّا ذكر ما أنعم به على عباده من سعة الأرزاق والأقوات والثمار وأنواع ذلك ، ناسب ختمه بالإيمان الداعي إلى شكره تعالى على نعمه . ومن ذلك قوله تعالى : وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ( 41 ) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) [ الحاقة : 41 ، 42 ]