جلال الدين السيوطي

190

الإتقان في علوم القرآن

ونقل صاحب « عروس الأفراح » عنه : أنه ذهب في « الانتظار » إلى جواز تسمية الفواصل سجعا . وقال الخفاجيّ في « سر الفصاحة » : قول الرّمانيّ إنّ السجع عيب والفواصل بلاغة غلط ؛ فإنّه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى - وهو غير مقصود متكلّف - فذلك بلاغة والفواصل مثله ، وإن أراد به ما تقع المعاني تابعة له - وهو مقصود متكلّف - فذلك عيب ، والفواصل مثله . قال : وأظنّ الذي دعاهم إلى تسمية كلّ ما في القرآن فواصل ، ولم يسمّوا ما تماثلت حروفه سجعا ، رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللّاحق بغيره من الكلام المرويّ عن الكهنة وغيرهم . وهذا غرض في التسمية قريب ، والحقيقة ما قلناه . قال : والتحرير أنّ الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل . قال : فإن قيل : إذا كان عندكم أنّ السجع محمود ، فهلا ورد القرآن كلّه مسجوعا ، وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع ؟ قلنا : إنّ القرآن نزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم ؛ وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا ، لما فيه من أمارات التكلّف والاستكراه ، لا سيما مع طول الكلام ، فلم يرده كلّه مسجوعا جريا منهم على عرفهم في اللطافة الغالبة أو الطبقة العالية من كلامهم ، ولم يخل من السجع ؛ لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة السابقة . وقال ابن النفيس : يكفي في حسن السجع ورود القرآن به ، قال : ولا يقدح في ذلك خلوّه في بعض الآيات ؛ لأنّ الحسن قد يقتضي المقام الانتقال إلى أحسن منه . قال حازم : من الناس من يكره تقطيع الكلام إلى مقادير متناسبة الأطراف ، غير متقاربة في الطول والقصر ، لما فيه من التكلّف ، إلّا ما يقع الإلمام به في النادر من الكلام . ومنهم من يرى : أنّ التناسب الواقع بإفراغ الكلام في قالب التقفية وتحليتها بمناسبات المقاطع أكيد جدّا . ومنهم - وهو الوسط - من يرى أن السجع وإن كان زينة للكلام ، فقد يدعو إلى التكلّف ، فرأى ألّا يستعمل في جملة الكلام ، وألّا يخلى الكلام منه جملة ، وأنه يقبل منه ما اجتلبه الخاطر عفوا بلا تكلّف . قال : وكيف يعاب السجع على الإطلاق ، وإنّما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب ، فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلامهم ، وإنّما لم يجيء على