جلال الدين السيوطي
18
الإتقان في علوم القرآن
يضرهما صاحب الحق بإلزامهما ما لا يلزمهما ، وإجبارهما على الكتابة والشهادة . ثم إن توقّفت صحة دلالة اللفظ على إضمار سمّيت : دلالة اقتضاء ، نحو : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] أي : أهلها . وإن لم تتوقف ، ودلّ اللفظ على ما لم يقصد به ، سميت : دلالة إشارة ، كدلالة قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [ البقرة : 187 ] على صحّة صوم من أصبح جنبا ، إذ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر تستلزم كونه جنبا في جزء من النهار . وقد حكي هذا الاستنباط عن محمد بن كعب القرظيّ « 1 » . فصل [ المفهوم وأقسامه ] والمفهوم : ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق . وهو قسمان : مفهوم موافقة ، ومفهوم مخالفة . فالأول : ما يوافق حكمه المنطوق : فإن كان أولى ، سمّي : فحوى الخطاب ، كدلالة : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] على تحريم الضرب ، لأنه أشدّ . وإن كان مساويا ، سمّي : لحن الخطاب ، أي : معناه ، كدلالة : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [ النساء : 10 ] على تحريم الإحراق ، لأنه مساو للأكل في الإتلاف . واختلف : هل دلالة ذلك قياسية ، أو لفظية مجازية أو حقيقية ؟ على أقوال بيناها في كتبنا الأصولية . والثاني : ما يخالف حكمه المنطوق . وهو أنواع : مفهوم صفة ، نعتا كان أو حالا أو ظرفا أو عددا ، نحو : إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [ الحجرات : 6 ] مفهومه : أنّ غير الفاسق لا يجب التّبيّن في خبره ، فيجب قبول خبر
--> ( 1 ) هو محمد بن كعب بن سليم بن أسد ، أبو حمزة القرظي ، المدني ، وكان قد نزل الكوفة مدة ، ثقة ، عالم ، انظر التقريب 2 / 203 .