جلال الدين السيوطي
152
الإتقان في علوم القرآن
وأما حسن الابتداء وبراعة الختام : فسيأتيان في نوعي الفواتح والخواتم . وها أنا أورد الباقي مع زوائد ونفائس لا توجد مجموعة في غير هذا الكتاب . الإيهام « 1 » الإيهام : ويدعى التورية : أن يذكر لفظ له معنيان - إمّا بالاشتراك ، أو التواطؤ ، أو الحقيقة والمجاز - أحدهما قريب والآخر بعيد ، ويقصد البعيد ، ويورى عنه بالقريب ، فيتوهّمه السامع من أول وهلة . قال الزمخشري : لا ترى بابا في البيان أدقّ ولا ألطف من التورية ، ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام اللّه ورسوله . قال : ومن أمثلتها : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] فإنّ الاستواء على معنيين : الاستقرار في المكان ، وهو المعنى القريب المورّى به ، الذي هو غير مقصود ، لتنزيهه تعالى عنه . والثّاني : الاستيلاء والملك ، وهو المعنى البعيد المقصود ، الذي ورّى عنه بالقريب المذكور « 2 » انتهى . وهذه التورية تسمى مجرّدة ؛ لأنها لم يذكر فيها شيء من لوازم المورّى به ولا المورّى عنه . ومنها : ما تسمّى مرشّحة ، وهي التي ذكر فيها شيء من لوازم هذا أو هذا . كقوله تعالى : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [ الذاريات : 47 ] فإنّه يحتمل الجارحة وهو المورّى به ، وقد ذكر من لوازمه على جهة الترشيح البنيان ، ويحتمل القوّة والقدرة ، وهو البعيد المقصود . قال ابن أبي الإصبع في كتابه « الإعجاز » ومنها : قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) [ يوسف : 95 ] فالضّلال يحتمل : الحبّ ، وضدّ الهدى . فاستعمل أولاد يعقوب ضدّ الهدى تورية عن الحبّ . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [ يونس : 92 ] على تفسيره بالدّرع ؛ فإنّ البدن يطلق عليه وعلى الجسد ، والمراد البعيد وهو الجسد . قال : ومن ذلك قوله بعد ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى حيث قال :
--> ( 1 ) انظر نهاية الإيجاز للرازي ص 291 . ( 2 ) استواء الرب على عرشه عقيدة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين وأئمة السلف . ولا يجوز تأويل ذلك بالاستيلاء والقهر والملك ، وقد ردّ الحافظ ابن قيم الجوزية ذلك من وجوه عديدة . انظرها في مختصر الصواعق . وقد ألف العلماء في إثبات هذه الصفة المؤلفات . منها « العلو » للإمام الذهبي ، و « إثبات صفة العلو » لابن قدامة المقدسي ، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن قيم الجوزية .