جلال الدين السيوطي
145
الإتقان في علوم القرآن
الثاني : القاعدة أن المنكر يجب أن يلي الهمزة ، وأشكل عليها قوله تعالى : أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ [ الإسراء : 40 ] فإنّ الذي يليها هنا الإصفاء بالبنين وليس هو المنكر ، إنما المنكر قولهم : إنّه اتّخذ من الملائكة إناثا . وأجيب : بأنّ لفظ الإصفاء مشعر بزعم أنّ البنات لغيرهم ، أو بأنّ المراد مجموع الجملتين . وينحلّ منهما كلام واحد ، والتقدير : أجمع بين الإصفاء بالبنين واتخاذ البنات ؟ . وأشكل منه قوله : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 44 ] ووجه الإشكال : أنّه لا جائز أن يكون المنكر أمر الناس بالبرّ فقط ، كما تقتضيه القاعدة المذكورة ، لأن أمر البرّ ليس ممّا ينكر . ولا نسيان النفس فقط ؛ لأنه يصير ذكر أمر لناس بالبرّ لا مدخل له . ولا مجموع الأمرين ؛ لأنه يلزم أن تكون العبادة جزء المنكر . ولا نسيان النفس بشرط الأمر ؛ لأنّ النسيان منكر مطلقا ، ولا يكون نسيان النفس حال الأمر أشد منه حال عدم الأمر ؛ لأنّ المعصية لا تزداد بشاعتها بانضمامها إلى الطاعة ؛ لأنّ جمهور العلماء على أنّ الأمر بالبرّ واجب ، وإن كان الإنسان ناسيا لنفسه . وأمره لغيره بالبر كيف يضاعف بمعصية نسيان ولا يأتي الخير بالشر ؟ . قال في « عروس الأفراح » : ويجاب بأنّ فعل المعصية مع النّهي عنها أفحش ؛ لأنها تجعل حال الإنسان كالمتناقض ، وتجعل القول كالمخالف للفعل ، ولذلك كانت المعصية مع العلم أفحش منها مع الجهل . قال : ولكنّ الجواب على أنّ الطاعة الصرفة : كيف تضاعف المعصية المقارنة لها من جنسها ؟ فيه دقّة . فصل [ الأمر ] من أقسام الإنشاء الأمر : وهو : طلب فعل غير كفّ . وصيغته : ( افعل ) و ( ليفعل ) . وهي حقيقة في الإيجاب ، نحو : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [ البقرة : 43 ] ، فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ [ النساء : 102 ] . وترد مجازا لمعان أخر ، منها : الندب : نحو : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [ الأعراف : 204 ] . والإباحة : نحو : فَكاتِبُوهُمْ [ النور : 33 ] نصّ الشافعي على أنّ الأمر فيه