جلال الدين السيوطي

140

الإتقان في علوم القرآن

والثاني : نحو أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً [ النمل : 84 ] على ما قرّره الجرجانيّ من جعلها مثل : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [ النمل : 14 ] . وحقيقة استفهام التقرير : أنه استفهام إنكار ، والإنكار نفي ، وقد دخل على النفي ، ونفي النفي إثبات . ومن أمثلته : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [ الزمر : 36 ] ، أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] وجعل منه الزمخشريّ : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 106 ] . الرابع : التعجّب أو التعجيب : نحو : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [ البقرة : 28 ] ، ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ [ النمل : 20 ] . وقد اجتمع هذا القسم وسابقاه في قوله : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ [ البقرة : 44 ] قال الزمخشريّ « 1 » : الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتّعجّب من حالهم . ويحتمل التعجّب والاستفهام الحقيقي : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ [ البقرة : 142 ] . الخامس : العتاب : كقوله : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [ الحديد : 16 ] قال ابن مسعود : ما كان بين إسلامهم وبين أن عوتبوا بهذه الآية إلّا أربع سنين . أخرجه الحاكم « 2 » . ومن ألطفه ما عاتب اللّه به خير خلقه بقوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] ولم يتأدّب الزمخشريّ بأدب اللّه في هذه الآية على عادته في سوء الأدب « 3 » .

--> ( 1 ) الكشاف 1 / 277 . ( 2 ) رواه مسلم ( 3027 ) ، والنسائي في كتاب التفسير ، من سننه الكبرى ( 588 ) 2 / 388 ، وانظر تفسير البغوي 4 / 297 . ( 3 ) قال الزمخشري في تفسيره 2 / 192 : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ كناية عن الجناية ، لأنّ العفو رادف لها ، ومعناه : أخطأت ، وبئس ما فعلت » ا ه . قال في الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال 2 / 192 : « ليس له - أي للزمخشري - أن يفسّر هذه الآية بهذا التفسير ، وهو بين أحد أمرين : إما أن لا يكون هو المراد . وإما أن يكون هو المراد . وقد أجلّ اللّه نبيّه الكريم عن مخاطبته بصريح العتب ، وخصوصا في حق المصطفى - عليه الصلاة والسلام - ، فالزمخشري على كلا التقديرين ذاهل عما يجب من حقه عليه الصلاة والسلام ، ولقد أحسن من قال في هذه الآية : إنّ من لطف اللّه تعالى بنبيه أن بدأه بالعفو قبل العتب ، ولو قال له ابتداء : لم أذنت لهم ، لتفطّر قلبه - عليه الصلاة والسلام - ، فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه في حق سيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام » ا ه .